وطنية

باحث مغربي يرصد أبرز مخاطر “شخصنة” المؤسسة الأمنية

حقائق24- متابعة

شخصنة المؤسسة الأمنية تشكل أكبر خطر على البناء المؤسساتي للدولة، وربطها بالشخص هو أكبر خطأ يقع في التداول الإعلامي ويستطيبه المسؤول الأمني أحيانا، بوعي أو بدون وعي بمخاطره. في المغرب يذهب التوصيف الإعلامي إلى نعت العاملين بالمديرية العامة للأمن الوطني بـ”رجال الحموشي”، نسبة إلى المدير العام عبد الطيف الحموشي، الذي يجمع بين مديرية مراقبة التراب الوطني ومديرية الأمن. ويذهب التوصيف في بعض القراءات للأحداث أو بعض القرارات الصادرة عن الجهاز إلى ربط المؤسسة برمتها، وليس رجالاتها فقط، باسم مديرها العام، وهو ما يضع الأخير في صورة الأحداث، بسلبياتها وإيجابياتها، ويدفع بالمسؤول الأول عن الجهاز إلى واجهتها.

بين المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، خيط رفيع بالنظر إلى التقاطع القائم بينهما. وقد شكل قرار تعيين عبد اللطيف الحموشي، مديرا للمؤسستين، تأكيدا على هذا الاختيار الذي يزاوج بين العمل الأمني بمعناه الشرطي والاستخباراتي. فقد شكلت “ديستي” جهازا مخابراتيا لأمن الدولة الداخلي بات له تمدد خارجي فعل التنسيق الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر تجميع المعلومات وتحليلها وتبادلها مع أجهزة مخابرات أجنبية، هذا الجهاز الذي تم تأسيسه بموجب ظهير 12 يناير 1973، لمهمة “السهر على صيانة وحماية أمن الدولة ومؤسساتها”، نشأ لاحقا لقرار إحداث المديرية العامة للأمن الوطني في 16 ماي 1956، كقطاع بفروع ثلاثة: الأمن الوطني والاستعلامات العامة والضابطة القضائية.

لقد راهن المغرب على تلميع صورة المؤسسة الأمنية، حينما وضع أعمالها تحت رقابة القضاء، وحتى حينما أثير الجدل حول طبيعة المهام التي تباشرها مديرية مراقبة التراب الوطني، التي يتصف عملها بالسرية شأنها شأن كل الأجهزة الاستخباراتية المدنية في العالم، لم يتردد المشرع في أن يمنح للجهاز صفة ضبطية ويخرج به إلى العلن تأكيدا على أنه ليس للجهاز شيء يخفيه أو يخيفه، وهكذا حسم تعديل المادة 20 من قانون المسطرة الجنائية الجدل، وأصبح العامل بالجهاز يحمل صفة ضابط للشرطة القضائية، وبذلك سعت الدولة إلى تطويق فرضية حدوث تجاوزات في أعمال الجهاز بتأطيرها وربطها بإجراءات قانونية لتحصينها.

هذا التطور التشريعي لم يواكبه تطور على مستوى الخطاب عموما، وعوض الانشغال بتحسين صورة الجهاز وتوظيف مسألة علنية رئيسه، بخلاف الأمر لدى الكثير من البلدان حيت يكون مدير المخابرات شخصية مبهمة وغامضة لا يعرف عنها الناس الكثير، انشغل الجميع بتنميط صورة الجهاز وشخصنته وتعريضه للخطر.

وعليه، فإن تقدير وقْع “شخصنة” المؤسسة الأمنية، يمكن قراءته في حادثين منفصلين جعلا من المدير العام للأمن الوطني مصدر توتر مع حلفاء تقليديين، هما فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، في الحالتين كان عبد اللطيف الحموشي في الواجهة، وفيهما أخذت الأزمة منحى تصاعديا وتدخلت الدولة على أعلى مستوى، من أجل الدفاع عن المؤسسة الأمنية وتبرئتها من مزاعم واتهامات حاصرتها. ورغم أن الأمر تعلق حينها بالحموشي بصفته مديرا عاما لمديرية حماية التراب الوطني، فإن توالي الأحداث جعله في واجهتها.

في باريس زار سبعة شرطيين فرنسيين مقر إقامة السفير، لإبلاغه قرار قاضي التحقيق بمثول رئيس جهاز المخابرات المدنية، أمام القضاء الفرنسي، أثناء تواجده في باريس للاستماع إليه في قضية تعذيب. وفي رد فعل على هذا التصرف استدعت الرباط السفير الفرنسي في المغرب احتجاجا على الاستدعاء، إذ أبلغته احتجاجها واصفة التصرف الفرنسي بـ”حادث خطير”، وكانت النتيجة أن توترت العلاقة بين الرباط وباريس وعلقت جميع الأنشطة بينهما، وتطلب الأمر شهورا ومراجعات قبل استئناف العلاقات.

وفي واشنطن ورد اسم عبد اللطيف الحموشي في تقرير صادر عن الخارجية الأمريكية، وبدا من صيغة التقرير أنه يحبل بالكثير من التحامل وقد تأثر بالتوصيفات الإعلامية التي تربط الجهاز بالشخص، وبدل الاكتفاء بذكر مديرية الأمن الوطني تعمد التقرير الإشارة إلى اسم مديرها، بما يحمله من معان خطيرة حول سقوط أكبر ديمقراطية في العالم في فخ “شخصنة” المؤسسة الأمنية، وهو الخلط الذي نبه إليه بيان وزارة الخارجية المغربية، حينما اعتبر أن “التشخيص” يعكس سوء نية في نقل الوقائع، لأن الحموشي حسب بيان الخارجية لم يكن حينما مسؤولا عن الأمن الوطني.

أكدت هاتان الواقعتان أن “شخصنة” المؤسسة الأمنية، تضمر الكثير من المخاطر فتسويق صورة الجهاز في شخص أو الشخص في الجهاز، له كلفة سياسية تتحملها الدولة كما وقع في حادثتي باريس وواشنطن، كما أن “الشخصنة” تنطوي على نكران وجحود لا يرتضيه “المخزن” على نفسه !

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى