حوارات

الحبيب حاجي: عمل الأجهزة الاستخباراتية بالصحراء يجب أن يكون على درجة عالية من المهنية لكن في إطار القانون ومقتضيات حقوق الإنسان

يرى المحامي والحقوقي الحبيب حاجي أن عمل الأجهزة الاستخباراتية بالصحراء يجب أن يكون على درجة عالية من المهنية والاستنفار، مادام أن هذه المنطقة تعتبر في نظره مرتعا للتواجد الجزائري ولعناصر البوليساريو، لكن في ارتباط بالاحترام التام للمقتضيات القانونية ولمبادئ حقوق الإنسان، مضيفا في الحوار التالي أن الزوال بدون شك هو مآل أية دولة لا تتوفر على جهاز استخباراتي قوي.

ورقة تعريفية

الحبيب حاجي محام بهيئة تطوان، اشتهر برسالته التي وجهها إلى التاريخ والتي تسببت له في التوقيف لمدة سنة من مهنة المحاماة بسبب ما تضمنته تلك الرسالة من فضح لبعض حالات الفساد بالجسم القضائي بعد أن ألغى المجلس الأعلى قرار التوقيف، يرأس حاليا جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب.

كثيرا ما ارتبط التخوف من الآليات التي تشتغل بها الأجهزة الاستخباراتية بالمغرب بعدم خضوع هذه الأجهزة لأي نوع من أنواع الرقابة القانونية، من وجهة نظر حقوقية ما الذي يعنيه منح صفة ضباط الشرطة القضاية لعناصر المخابرات المدنية بمقتضى القانون رقم 11-35 المتعلق بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية؟

أنا لا اتفق كحقوقي او كرجل قانون على عدم خضوع عمل الاجهزة الاستخباراتية لأي نوع من أنواع الرقابة القانونية، من الزاوية الحقوقية يكفي ان يكون عمل جهاز تحقيق ما مؤطر بقانون حتى يكون عمله علانيا وان يكون موافقا لمعايير المحاكمة العادلة كما تنص عليه المواثيق الدولية لحقوق الانسان لكي يكون مقبولا .

الا ان القوانين المنظمة للشرطة القضائية حتى قبل الحاق عناصر المخابرات المدنية بها قانونا لاتتفق مع المعايير الحقوقية لتحقيق المحاكمة العادلة في حالة امتداد عملها الى حريات المواطنين، ثم ان العمل القضائي لم يواجه عدة خروقات مسطرية تشوب محاضر التحقيق بالبطلان والاستبعاد بل زكاها ووجد لها مخارج وتبريرات لا سند لها في القانون انما يبدو ان العمل القضائي ينفذ سياسة جنائية لحماية محاضر الشرطة القضائية وخروقاتها. وكان على العمل القضائي ان يراقب مدى احترام ضباط الشرطة القضائية لقانون المسطرة الجنائية على علته وان يفسر مضامينه من زاوية الانتصار للمحاكمة العادلة وفق المواثيق الدولية عوض تكريس واقع ما قبلتعديل المسطرة الجنائية وملائمة بعض نصوصها بالمواثيق الدولية . وهكذا يظل العمل القضائي عموما مع بعض الاستثناءات في ما يخص التعامل مع محاضر الشرطة القضائية متخلفا عن القوانين .

من بين الآليات التي تلجأ إليها الأجهزة الاستخباراتية على الصعيد العالمي من أجل حماية أمنها القومي هناك آلية التنصت على المكالمات الهاتفية والاطلاع على الرسائل النصية والبريد الإلكتروني أو العادي، غير أن هذه الآلية تتعارض مع مبدأ حرمة الخصوصيات، كيف عالج المشرع المغربي هذه المسألة؟

لا يمكن ان نطلق العنان للاستخبارات لخرق القانون بحجة الامن القومي . نعم لمهام الاستخبارات من اجل حماية الوطن امنيا واقتصاديا وسياسيا واي تهاون في ذلك يعرض المتهاون للمسائلة القانونية والصرامة لكن في ظل القانون. ولايمكن لمهام الاستخبارات ان تنجح في مهامها دون الاسترشاد بالقانون واحترام حقوق الانسان واي خرق لها يفسد هذه المهام ويزيحها عن غرضها . ومسألة التنصت مشروعة على اساس احترام طريقة تنظيمها لكون التقاط التسجيلات تعتبر وسيلة من وسائل الاثبات ضد الجرائم المرتكبة أو المزمع ارتكابها سواء ضد الافراد او الجماعات او الدولة والمسطرة الجنائية المغربية حددت طريقة التنصت وظروفها وشروطها في 9 فصول من الفصل 108 الى الفصل 116 حيث تم تخويل قاضي التحقيق بالتقاط المكالمات والاتصالات اذا اقتضتها ضرورة البحث الذي يقوم به ، كما يمكن كذلك للوكيل العام ان يقوم بهذه الاجراءات اذا كانت الجريمة موضوع البحث تمس بأمن الدولة او ذات طابع ارهابي او تتعلق بعصابات اجرامية او بالقتل او التسميم او الاختطاف وحجز الرهائن او تزييف النقود او المخدرات والمؤثرات العقلية والاسلحة والمتفجرات او تعلق الامر بالصحة العامة وتلاحظون ان هذه الجرائم خطيرة تستحق اتخاذ اجراءات صارمة فيها من اجل جمع وسائل الاثبات وتتبع الجريمة وايقافها عند حدود معينة لا تصيب المجتمع ولابد ان تكون اجراءات التنصت تحت اشراف الوكيل العام بصفته ضابطا ساميا للشرطة القضائية وبصفته مسؤولا قضائيا يعتبر عمله عملا علنيا ويمكن الطعن فيه من طرف من له المصلحة بحيث يمكن للأطراف عن طريق محاميهم الاطلاع ومعرفة فيما اذا كان الاجراء سليما انصب على تتبع الجريمة فقط ولم يتعداه الى الحرمات والامور الشخصية المحمية قانونا وحقوقيا . اذا لابد من خضوع التنصت للفصول اعلاه وهي تبين الاجراءات الدقيقة والمراحل التي يمر منها التسجيل ومن له الحق في مباشرته وكيفية حفظه وكذلك كيفية اتلاف هذه التسجيلات بعدم تفادي الدعوى يمكن الرجوع الى هذه الفصول للتعرف عن التفاصيل بدقة . لهذا فلا يمكن استعمال اية معلومة تخص الحياة الشخصية لشخص ما ثم الحصول عليها بالصدفة او الاحتفاظ بها والا تعرض للعقوبات المنصوص عليها بشان افشاء الاسرار .

هل يمكننا القول إذن أن إخضاع الجهاز المخابراتي للمراقبة القضائية سيجعل عمل هذا الجهاز بمنطقة الصحراء خصوصا بمنأى عن تلك التجاوزات التي ظلت ملتصقة به منذ سنوات الرصاص؟

معلوم أن منطقة الصحراء هي مرتع للتواجد الجزائري بشكل او باخر ولعناصر البوليساريو ولأطراف اخرى سواء بحكم تواجد المينورسو او بدونه لذا فان عمل الاجهزة الاستخباراتية يجب ان يكون على درجة عالية من المهنية والاستنفار لان الامر يتعلق بمواضيع ذات صبغة دولية وفوق وطنية وليس بجرائم عادية، حماية الأمن الوطني مهمة كبرى تحتاج الى مجهود متميز . لذا فعلى هذه الاجهزة ان تحترم من جهة القانون وحقوق الانسان في مواجهة المغاربة الذين يرون الانفصال عوض الوحدة لانهم مغاربة ومن حقهم التمتع بالمقتضيات الحقوقية لان لهم كامل المواطنة وكامل الانسانية ولايمكن الركوب على المخالفة في الرأي لخرق القانون والاعتداء على الحرمات والا فسنزيد الطين بلة . اذ ان خرق القانون وحقوق الانسان ساهم في توسيع رقعة مؤيدي الانفصال بشكل كبير . كما هو الشأنبالنسبة لسبتة المحتلة حيث المعاملة السيئة لسلطات المعبر الحدودي نحو تطوان مع المغاربة السبتاويين يدفع الى الحقد على المغرب كدولة ونفس الشيء في الصحراء، فخروقات الاستخبارات والاجهزة القضائية والسلطات المحلية والمعينة تساهم بشكل كبير في صنع موقف الانفصال من العدم .

لذا فعندما يتعلق الامر بموضوع وجريمة تتعلق بالأمن وذات خطورة على المواطنين والوطن حسب ما هو منصوص عليه في المسطرة فيجب ان يكون ذلك تحت اشراف الوكيل العام والرئيس الاول لمحكمة الاستئناف والمسؤولين الاخرين المخول اليهم تنفيذ التنصت ومتابعة الاتصالات لمعرفة حجم الخطر وايقافه. ومن جهة اخرى يكون الالتزام بالقانون في مواجهة الاجانب امرا ايجابيا يبين للرأي العام الدولي ان المغرب يلتزم بالمعايير الدولية لحقوق الانسان ويمكن له ان يجري جميع التحقيقات المطلوبة بالالتزام بالقانون . فالإجراءات المتعلقة بالتنصت خارج اشراف الوكيل العام وقاضي التحقيق يطعن قبل كل شيء في مؤسسة النيابة العامة وقاضي التحقيق والقضاء . ويعرض هذه الاعمال لعدم الجدوى لأن هؤلاء المسؤولين فضلا عن كونهم ينتمون لجهاز القضاء وينتمون لمؤسسة الضابطة القضائية فهم كذلك رجال قانون يوجهون باقي التقنيين والضباط وفق القانون لانهم ليسوا رجال قانون وبالتالي فالتوجيه القانوني ضروري هنا لاحترام حقوق الانسان والقيام بعمل ذو جودة في الصحراء من اجل ربح المعركة في الصحراء فلا مجال للاستمرار في الخروقات ان ذلك سيفقد المغرب صحرائه ويزيد في التخلف والاستبداد .

يرى البعض أن الوضعية الخاصة والاستثنائية لمنطقة الصحراء تستلزم بالضرورة تفعيل عمل استخباراتي أكثر قوة، على اعتبار التهديدات الإرهابية المحدقة بالمنطقة وكذلك وضعية النزاع حولها مع ما يعنيه ذلك من إمكانية اختراق أجهزة استخباراتية أجنبية للصحراء، كيف يمكن لأجهزة المخابرات الوطنية أن توفق والحالة هاته بين مسؤوليتها الأمنية الكبيرة في الصحراء وبين مطالب الأصوات الحقوقية؟

ليس هناك أي مشكل بين المهام الكبيرة هذه والالتزام بالقانون وحقوق الانسان ومطلوب مضاعفة العمل في الصحراء مقارنة مع باقي مناطق المغرب للمشاكل المحيطة بها فعلا . ما الذي يمنع الاجهزة الاستخباراتية والامنية المخول لها مهام الشرطة القضائية بإحالة اي موضوع مطلوب التنصت فيه قانونا على الوكيل العام الذي عليه ان يمد يد العون القانوني والحماية القانونية للإجراءات المتخذة لمواجهة الاطراف الذين سوف تتخذ تلك التسجيلات ضدهم حتى لا يطالهاالبطلان . كما ان خرق الاجراءات المتعلقة بالتنصت وتسجيل المكالمات والاتصالات المختلفة تعرض صاحبها للعقاب المنصوص عليه في الفصل 115و116 من المسطرة الجنائية وبالتالي فحتى لايطال العقاب اي متدخل في جمع الادلة ووسائل الاثبات من تسجيلات فيجب ان يكون بإذن الوكيل العام باعتباره رجل قانون يحمي الاجراء قانونيا وبصفته ضابط شرطة قضائية سامي ورئيسا لباقي الضباط المكلفين بتنفيذ الاجراء وباعتباره مؤسسة قضائية تتوفر امامها شروط المحاكمة العادلة في غالب الاحيان وفق القوانين المغربية.

مطلوب كذلك ان تتفوق المخابرات المغربية على كل من يدخل الصحراء من اجانب سواء كانوا اجهزة او غيرها وان تعرف كل تحركاتهم ومخططاتهم الماسة بالأمن والصحة وكل الجرائم المخول للوكيل العام وقاضي التحقيق التنصت بشأنها كما سبقت الاشارة ماعدا ذلك لا يحق التجسس على الحياة الشخصية للناس عموما ولايمكن استعمال اية معلومة من هذا النوع ضد اي شخص واي سلوك مثل يعتبر خرقا سافرا لحقوق الانسان يعرض المتسبب فيه للعقاب بل ويعرض الدولة المغربية لفضيحة حقوقية دولية تؤثر على سمعته في المحافل الدولية وبالنسبة لما حدث في اكديم ازيك اما انه كان مؤطرا وموجها من طرف المخابرات المغربية من اجل معرفة رقعة بقعة زيت الانفصال ومعرفة حجم قوته وقوة الجزائر في الصحراء وقوة البوليساريو في الصحراء واما اذا لم يكن الامر كذلك فهناك خلل خطير في عمل المخابرات المغربية وفشل ذريع في استباق الاحداثوالوصول الى المعلومة . فخروج المخيم الى الوجود بالشكل الذي كان يعتبر فضيحة مخابراتية لقصوره على رصد التحركات المسيئة للمغرب ولقضيته الترابية وبالتالي كان على المخابرات ان تفشل ذلك المخيم في حالة ما اذا كان غير مترتب له .

الحركة الحقوقية بالمغرب نضمت الخروقات الجسيمة في السبعينات والثمانينات والتسعينات وامنت الدولة في لحظة معينة بان تلك الخروقات اساءت الى المغرب وسعت الى المصالحة وادانت تلك المرحلة ولا مجال لتكرار ما سبق . لكن للأسف لازالت بعض الممارسات التي تنتمي الى ذلك العهد تمارس . وحان الوقت للقطع معها جذريا. فالدول المتقدمة تحمي امنها بالقانون واحترام حقوق الانسان . ولايمكن هزم مخططات الجزائر والبوليساريو الا باحترام حقوق الانسان والاقلاع التنموي وحماية المال العام ومعاقبة المسؤولين الذين يسيئون لهذه الحقوق ويسيئون للدولة المغربية ولقضاياه .

بغض النظر عن الترسانة القانونية المنظمة لعمل المخابرات، هل هناك من منطق آخر يجب أن يحكم عمل هذه الأجهزة في الصحراء غير منطقة المصلحة الوطنية وحماية الأمن القومي للمغرب؟

بالإضافة الى المصلحة الوطنية وحماية الامن القومي فهذه الاجهزةتقوم بعمل جبار وبالتالي فهي تمس بقضايا الحريات والتنمية التي تشكل محورا رئيسيا لدورة المجتمع فحماية الحريات والحقوق وعدم الاعتداء عليها يشكل دعامة صريحة لبناء المصلحة الوطنية والأمنالقومي، فقبل أن يقدم مسؤول على عمل يجب عليه ان يضع في الاعتبار عدم المس باي حق او باي حرية لكي يكون عمله مجديا وحقيقيا ويصب فعلا في المصلحة. فما يقع في الصحراء من سوء تدبير المال العام والثروة الوطنية هناك ومن سوء تدبير تحركات النشطاء والمس بالعيش الكريم يفشل تحقيق هدف انهاء النزاع في الصحراء او يعطله اقصى ما يمكن، بل هناك من يعتقد ان النظام المغربي في مصلحته ادامة النزاع في الصحراء من اجل ادامة الوضع غير الديمقراطي واحتكار الثروة الوطنية واستفادة جزء صغيرمن المغاربة منها. في حين ان مصلحة النظام المغربي هي الشفافية والاقلاع التنموي واحترام الحقوق والحريات لأنها مناط المصلحة الوطنية والامن القومي . وفي النهاية اقول ان دولة بدون جهاز استخباراتي قوي وكفء من الناحية القانونية والحقوقية والتقنية معرضة للزوال . والمغرب مطالب بالرفع من كفاءة الاجهزة الاستخباراتية بتكوين اطرها سياسيا وقانونيا وحقوقيا وان يكونوا حاصلين على شهادات عليا وعلى مستوى عال من الكفاءة التقنية في كل المجالات، ولايمكن التقدم الى الامام الا اذا اتفق الجميع من نخب حقوقية وشرطة وعسكر وقضاة… على إعمال حقوق الانسان بهذا البلد لأنها ستخدم الجميع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى