الرأي

في الحكاية : عهر محترم جدا..! بقلم : جواد الأطلس.

حقائق24

بقلم : جواد الأطلس.

منذ سبع سنوات.. كثيرة هي الليالي التي لا تتشابه عشتها رفيقا للفلسفة و السوسيولوجيا ، فغالبا ما يزعجني سيل من المفاهيم و الشذرات التي تقلق صفوة السكون الذي أعشقه راحلا من اللامعنى الذي يحاصرنا من الساحل إلى الشرق، قد أجد راحتي تداعب القلم أو الكتاب، أجد ضالتي في أسطر نيتشه و بوبر و سقراط و أرسطو و روسو، و أحيانا أتركهم و أرحل في ليالي عدة نحو أسرة أدبية أجادل فيها يوسف زيدان وغادة و شكري.. و القائمة الطويلة علها تنقدني من زمن مدنس كي أتنفس قليلا نقاء الفكرة النادر.

و في واحدة من الأمسيات زارني فيلسوف “أبكم متكلم” طالما كسر البالي و خلخل الفكرة و تولى المطرقة النتشوية في زمن الرداءة علها تهشم جدار الزيف، فردد في أذني شذرة كلفتني سواد ليل كامل كي أفتت معانيها، حينما تحدث قائلا : “ليست العاهرة وحدها من تحاضر في الشرف بل العاهر أيضا.. من كلام الأبكم” ، هو كتاب بصفحات قلبت جهازا مفاهيميا بأكمله. يسرب الحيرة إلى قاع الذاكرة و الصور يظهرها كالمرايا، لأفهم من منطوقه هذا أن غياب المثقف عن الساحة بوطني له أثر بالغ، ذلك المثقف العضوي الذي تقتدي به الناشئة كما جسده الفيلسوف “غرامشي”، لتظهر كائنات أخرى تطفو فوق مستنقع مجتمعي نتن أفرز البعوض و الذباب ، مع أني مضطر هنا لأقدم اعتذاري للذباب المحترم جدا بلغة “الأبكم” مجددا، لإن غياب المثقف أفسح المجال أمام عهر عقول انتشرت كالوباء، غياب المثقف أثمر “سينا” وكان وراء حضور “مول الكاسكيطة ” و كبور “بالحموضة ديالو” و أباح التمرد لمن رددوا “ماصايمينش” .

حدث يا أخي لكن هناك حرج بلسان المواطن البسيط و المسحوق من بني جلدتي، فنماذج أعطت قدوة بديلة معطوبة و قيم مضادة مفسدة لعوبة، لكن أتعرف أيها الغافل من المرتشف الأول لهذا الهراء؟ ربما يا عم إبنك الذي ادعى إلحادا ،و اليافع يا خالتي الذي امتهن فتوة متطرفة، و تلميذ الموسم الذي أجاب في ورقة الإمتحان بالعامية عاجزا عن ترجمة أفكاره لغة فصحى. نعم صدق و لا تندهش فلم يعد شيء يدهش، لأن “الدارجة” بوطني استعطفت مصحح الباكالوريا راغبة في النجاح هذا العام، و الغش لعب دور البطولة ،فتعمد كل ناطق تلفيقه للمدرسة والمتمدرس،و الوزير أبدع قانونا في عقوباته سجنا و غرامة للدفاع، لكن الرجل لا يعلم أنه سينتج لنا جيل شمكرة مشرملا بهذا الإبداع. عذرا يا سادة الكراسي ،إنكم مخطئون إن ظننتم أن الحديث عن الغش في الامتحان وفساد الناشئة لا ينم عن مجتمعكم المغشوش؟ فعجبا أن تتخيلوا مدرسة الغش في مجتمع ليس فيه غش؟ فمدارسكم إنعكاس مجتمعكم سيدي الوزير، والجواب بالصريح في أسطر “الأبكم المتكلم” حينما قال في ذات الكتاب “.. فمنذ أن أصبح للنجاح و الفشل مدلولا في اﻹنتخابات تسرب الغش للامتحانات..” فكيف لفاشل في الدراسة أن يكون ناجحا في الانتخابات ؟، وذاك فيه قول صريح الأحرف..لا فائدة لنجاحك في المدرسة، بل المهم هو أن تنجح في المجتمع و بأي أسلوب كان، والبقية نعلمها جميعا.

إننا نتاج مدرسة من نتاج مجتمع بنماذج عاهرة تحاضر في الشرف و النزاهة ،كما دعاها الأبكم قهرا في شذراته، وهذا أحالني لقصة من غرابتها تجعل المتأمل عقلا حائرا حيال زيف القدوة.. حيث روى لنا أستاذ صديق يدعى “أيت الرايس” أنه ذات مكان و زمان في بداية التحاقه بكلية الحقوق “بالدار البيضاء” سنة 1973، كان قد اشترى بالصدفة كتابا قديما بسوق “قريعة سباتة” بثمن بخس بقيمة درهمين آنذاك لدكتور يدعى “عبد الرزاق عبد الفتاح” وهو فقيه قانوني مصري الجنسية فكانت نسخة قديمة من منشورات 1958 ، وفوجئ أن أستاذه في مادة القانون المدني الذي يدرسه محاضرات القانون ، سرق الكتاب المذكور حرفيا و يبيع نسخ “بوليكوب” طباعة الستانسيل ب 150 درهما !. قبل أن يقوم بإبلاغ زملائه الطلبة ذات السنة و بالدليل مما دفعه الأستاذ لاتخاذ موقف احترام له رغما عن أنفه، كون صديقنا “أيت الرايس” يتوفر على ورقة رابحة ضده، لكن ما جعلنا ننفجر ضاحكين في متم الحكاية ،حينما أخبرنا أن الأستاذ السارق ذاته قد تم تعيينه لاحقا عميدا لكلية بمدينة مراكش، بعد أن تحفظ عن ذكر اسمه. إن ذلك لم يمنعنا من استخلاص عبر لا تنقضي و حسرة لا تستساغ، فكم هو مؤسف أن يأتي هذا على خلفية الهروب من زيف الخبير والمختبر والطالب، لقد اتسعت رقعة الطالح على المصلح، لمنظومة نجني من ورائها أدمغة فاسدة أفسدت أجيال البلد التي يعول عليها لقيادة قاطرة الإقلاع ، ليبقى موسم حصاد مزيف زرعناه نحن ونلوم الآخر عليه منذ زمن، فاليوم صدق أبكم الحكاية حينما قال ” ..عملا بمقاربة النوع ، ليست العاهرة وحدها من تحاضر في الشرف بل العاهر أيضا..” لتكون المناصفة الوحيدة التي استطعنا الحصول عليها، من عهر يلبس زي الشرف و النزاهة مع العلم أنه اليوم لا و لن يرقى لمستواها لدى عقول نيرة، لكن يا حسرتي متى تعود..!؟

حقائق 24

جريدة إلكترونية مغربية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى