منوعات

إفريقيا المهتزّة .. تُعلن رسميًا إحدى دولها إسلامية

وكالات

لطالما عرفت القارّة السمراء بانتشار النكبات بين معظم دولها: من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب. فالفقر والإرهاب والأوبئة والأمّيّة وتطرّف المناخ والحروب الداخليّة والاقليميّة والإبادات الجماعيّة والتمييز العنصري … عوامل أرخت بثقلها على أفريقيا وطبعتها بالحظّ السيّء الى حدّ بعيد.

وكي “يكتمل النقل بالزعرور” كما يقول المثل الشعبي، لم يكن ينقص هذه القارّة إلّا إيجاد “داعش” وتنظيم “القاعدة” موطئ قدم لهما عبر جماعات إرهابيّة تواليهما أو تبايعهما وخصوصاً في شمال القارّة ووسطها.

في المقابل، أتى أحد الرؤساء فيها، بمفاجأة للعالم حين أعلن أنّ دولته أصبحت رسميّاً دولة إسلاميّة. يحيى جامي أطلّ أمس الجمعة بهذا النبأ المتعلّق باعتناق غامبيا كبلد للإسلام بطريقة يمكن أن تحمل في دلالاتها الكثير. في الواقع، يتميّز الرئيس الغامبي ببعض الصفات الغريبة. فهو يحمل في كلّ جولاته الخارجيّة عصا خشبيّة غليظة تعبّر عن تقليد محلّي تخوّل حاملها التمتّع بالقوّة.

إضافة الى ذلك، يلبس جامي زيّاً خاصّاً أبيض فضفاضاً، وهو كالعصا، شكّل إحدى أهمّ المفارقات غير القليلة التي يتميّز بها الرجل. أمّا اسمه الكامل فيحيى عبد العزيز جيموس جونكونغ جامي بابلي منسى. وفي جولة على موقع الرئاسة الغامبية يرى المرء الرجل قد أغدق على نفسه ألقاباً كثيرة تضاف الى اسمه الطويل. فهو سعادة الشيخ البروفسور الحاج الدكتور يحيى عبد العزيز … إلخ .

ويبرز الموقع نفسه صلاحيّات عدّة يتمتّع بها: فهو القائد الأعلى للقوّات المسلّحة والرئيس الحامي للدستور الغامبي المقدّس. وهو أيضاً وزير الدفاع ووزير الزراعة ويتمتّع بصلاحيّات تشريعيّة وأمنيّة واسعة. وبحسب هيئة الاذاعة البريطانيّة “بي بي سي” ادّعى جامي شفاء أشخاص من أمراض مستعصية بأعشاب طبيعيّة من بينها مرض نقص المناعة المكتسب المعروف اختصاراً بالأيدز.

ونقلت صحيفة “نيويورك تايمس” الأميركيّة خبراً أوردته “منظّمة العفو الدولية” عن تعاطي الرئيس الغامبي لأعمال الشعوذة والعرافة، بهدف القضاء على السحر نفسه. فاشتبهت المنظّمة بأنّ “عشرات وربّما مئات من الغامبيّين اختطفوا من قراهم وأخذوا بالباص الى مواقع سرّيّة”. وأضافت الصحيفة أنّه تمّ إجبارهم على شرب خليط كريه الرائحة جعلهم يصابون بالهلوسة فراح البعض يحفر حفراً في المكان الذي يجلس فيه، بينما حاول البعض الآخر تسلّق جدران عدّة. وقدّرت منظّمة العفو في تقارير أخرى أعداد الضحايا بحوالي الألف. وبحسب الصحيفة التي تحدّثت عن فرار جماعي الى السنغال، إنّ الهدف كان طرد السحرة الذين كانوا يؤذون البلاد.

وبالعودة الى الأحداث الحاليّة، أعلن جامي أمس الجمعة، دولة غامبيا دولة إسلاميّة بعدما كانت علمانيّة التوجّه بحسب وكالة “رويترز” الأميركيّة. جاء إعلانه متماشياً مع ما قال عنه إنّه “هويّة وقيم” الدولة. وبما أنّ “المسلمين هم الغالبيّة في الدولة، لا يمكن لغامبيا تحمّل مواصلة الإرث الاستعماري”. وتضيف الوكالة أنّ 95% من سكّان الدولة البالغ عددهم 1.8 مليون شخص هم مسلمون.

واحد من الأسباب الأساسيّة التي دفعت جامي الى اتخاذ هذا القرار هو قطع الروابط مع الاستعمار البريطاني. فسبق للرئيس أن سحب بلاده من رابطة “الكومنولث” سنة 2013 لأنّه لا يشكّل إلّا “استعماراً جديداً”، كما ألغى القرار القاضي بجعل اللغة الانكليزيّة لغة رسميّة لغامبيا. وقال في إحدى إطلالاته الاعلاميّة: “طوال 300 سنة من الاستعمار، لم تعلّمنا بريطانيا سوى كيفيّة إنشاد “حفظ الله الملكة””. وتدهورت العلاقة بين غامبيا والغرب بشكل سريع في السنوات الماضية، حيث امتنع الاتحاد الأوروبّي عن إعطاء مساعدات ماليّة لغامبيا بسبب سجلّها الضعيف في الدفاع عن حقوق الانسان. وبالفعل، قام جامي بطرد كبير ديبلوماسيّي الاتحاد الأوروبّي آنييس غيار في حزيران الماضي. وبحسب صحيفة “التيليغراف” البريطانيّة، لم يعطِ جامي أيّ سبب لفعلته لكنّ القرار جاء بعد ستّة أشهر من حجز الاتحاد الاوروبي لأكثر من 12 مليون دولار بسبب انتهاكات حقوق الانسان في غامبيا.

وتنقل الصحيفة بأنّ لدى جامي ميلاً الى طرد أيّ وزير في الحكومة بعد بضعة أشهر أو أسابيع لمنع أي تحالف ضمنيّ بين الوزراء قد يشكّل انقلاباً ضدّه، علماً أنّ الرئيس نفسه أتى بانقلاب الى البلاد قاد به مجموعة من الضبّاط كي يصل الى سدّة الحكم سنة 1994. واتّهم في كانون الثاني الماضي بريطانيا و الولايات المتحدة بتدبير محاولة لإطاحته من الرئاسة. علماً أنّ الصحيفة تشير الى أنّ الدولتين انتقدتا في الماضي تصرّفاته وطريقة حكمه، لكنّهما توقّفتا عن فرض عقوبات بحقّه خوفاً من دفعه الى قطع الحوار معهما.

وسيتابع السياسيّون تصرّفات جامي عن قرب، للتأكّد من خلفيّات قراره ومدى تنفيذه لسياسة معادية للاستعمار الجديد كما يدّعي. فإعلان غامبيا دولة إسلاميّة بحدّ ذاته، وهي التي تضمّ غالبية ساحقة من المسلمين ليس بالأمر المفاجئ أو الخارج على سياق طبيعة المجتمع الغامبي. وتؤكّد صحيفة “الغارديان” البريطانيّة من جهتها أنّ جامي “سيحافظ على احترام المواطنين الذين يتبعون الديانات الأخرى”. لذلك جلّ ما سينصبّ عليه تركيز الغربيّين هو مدى استمرار سلسلة الاعتداءات الطويلة على حقوق الانسان من جهة، والعدائيّة التي ستبلغها علاقات غامبيا مع المجتمع الدولي بشكل عام والدولتين الأميركيّة والبريطانيّة بشكل خاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى