الرأي

عذرا تلاميذي…كذبت وصدق بنكيران

حقائق24

انتابني اليوم شعور مؤلم بالخجل أمام تلاميذي في الثانية بكالوريا علوم فيزيائية. كان اليوم يوم امتحان (فرض محروس) في مادة الفلسفة التي أدرسها لهم. طلبت منهم التوجه نحو السبورة ووضع جميع أغراضهم الدراسية هناك..لا محفظة ولا دفتر ولا كتاب فوق الطاولة اللهم ورقة التحرير وبعض أقلام حبر جاف أو أوراق التسويد (ديال الوسخ)..القاعدة كما تعاقدنا عليها بيداغوجيا منذ بداية الموسم الدراسي هي حتمية تكافؤ الفرص والاعتماد على النفس.
قرأت عليهم المقولة التي سيشتغلون على تحليلها ومناقشتها كما جرت العادة في امتحانات مادة الفلسفة، لكن ما ان أتممتها وأردفت إليها تعليمة “حلل وناقش” حتى تبدت لي علامات الامتعاض في تقاسيم وجه تلميذة من أنجب تلامذتي. تلميذة ملمة، لا بمضامين المقرر الدراسي ولا بمنهجية الكتابة الفلسفية، ولكن ملمة أيضا بتفاصيل الحياة العامة…أعتقد أن محيطها العائلي ساعدها في ذلك. سألتها وأنا معتقد في قرارة نفسي أن ثمة خطبا ألم بها، فقلت: لها ماذا بك بنيتي؟ فأجابت “لا والو أوستاذ مكاين والو”..جوابها زاد من ظنوني، مما جعلني أعيد عليها السؤال من جديد. فأجابت بنبرة ملؤها التذمر: “أستاذ انت عاطينا قولة فلسفية كتكلم على دولة الحق والقانون، وفي الحصص ديال الدروس أطنبت في شرح نظرية التعاقد الاجتماعي والنظريات الفلسفية المؤسسة للدولة العصرية”.. قلت لها: وما الذي لم يرقك من ذلك إذن؟ أجابتني: ألا ترى أن كل ما قلته لنا يا أستاذ حول جهود المغرب في الانتقال إلى مصاف دول الحق والقانون ليس سوى كلاما فارغا؟ حدثنا عن التعديل الدستوري ودسترة حقوق الإنسان المتعارف عليها كونيا وحدثنا عن سمو القوانين الدولية على التشريعات الوطنية بمقتضى الدستور الجديد وحدثنا عن السعي الحثيث للمغرب لفصل السلط وغير ذلك من مقومات دولة الحق والقانون، لكن أعتقد أن كل ذلك لم يكن حقيقة يا أستاذ. إما أننا ندرس في الفلسفة نظريات فارغة ولا معنى لها أو إما أنك كنت مخطأ في حديثك عن الدولة في المغرب. ألم تتطلع على بلاغ رئيس الحكومة بشأن منع تظاهر الأساتذة المتدربين غدا بالرباط؟ ألم تتطلع على المراسلات الشخصية التي وجهها رجال السلطة (الباشوات والقياد) إلى الأساتذة المتدربين يمنعونهم من خلالها من السفر إلى الرباط تحت طائلة التهديد؟ أهذه هي دولة الحق والقانون التي دعا إليها عبد الله العروي ومن قبله فلاسفة عصر الأنوار؟ لا يا أستاذ بل هذا عينه ما دعا إليه ماكيافيلي في نظريته حول ممارسة الحكم بالمكر والبطش والخداع.. قاطعتها بحجة أن الحصة حصة فرض محروس ولا يمكن أن نناقش فيها الآن موضوعا فلسفيا وسياسيا بهذا التعقيد، لكن أصدقكم القول أنني تهربت فقط من الخوض في الموضوع، لأنني انشغلت مؤخرا في إعداد أسئلة الامتحانات وتصحيح المنجز منها ولم تسنح لي فرصة متابعة مستجدات الساحة السياسية.
خلال فترة الاستراحة ألقيت نظرة سريعة على مستجدات الأخبار فتأكدت مما قالته التلميذة…فعذرا تلامذتي عن سوء تقديري للوضع السياسي في بلدي، كنت غارقا في نظرتي الوردية للأشياء..الآن يحق لكم أن تنتزعوا مني اعترافا عن كوني كنت من الكاذبين، نعم كذبت عليكم حين صورت لكم واقعا بئيسا على أنه جميل، كنت أتمناه جميلا…فعذرا لقد كذبت فعلا وكانت حكومة بنكيران بعقيدتها القمعية من الصادقين…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى