الرأي

الرّقية الشّرعيّة.. علاج أم دجل؟!

في تحقيقٍ نشر على موقع إذاعة هولّندا العالميّة، تحدّث عن “موضوع الرّقى الشّرعيّة” ونظرة البعض إليها، وهذا نصه.

“ذهبت إلى أطبّاء كثر، وراجعت عيادات كثيرة، لكنّي بقيت مريضة ولم أتحسّن. ثم ذهبت مع جارتي إلى “شيخ الوادي”، وفي ثلاث جلسات تحت يديه شفيت”. تقول نزهة في حديثها مع إذاعة هولّندا العالميّة.

وتضيف: “إنّ ما دفعته من مال لعيادة “الرّقى الشّرعيّة”، أقلّ بكثير مما دفعته في زياراتي إلى العيادات الطبيّة والأطبّاء”.

أفضل من كلّ الأطبّاء

يعتبر “أبو وسام”، أنّ “العيادة الشرعيّة” أفضل بكثير من أيّة عيادة طبيّة، فهي تقدّم العلاج مباشرة، وتظهر النّتائج مباشرة. وإذا كان الطّبّ الحديث يحدّد أسباب المرض بالجراثيم والعدوى، فإنّ العيادات الشرعيّة تعرف أنّ المرض جنّ وروح شرّيرة، وبالتّالي، لن ينفع معهم استخدام المركبات والسّوائل. والشّيخ وحده يعرف كيف يخرج تلك الأرواح من الجسد،وكيف يشفي المريض.

ويضيف أنّه يخدم في العيادة الشرعيّة، في منزل “شيخ الوادي” في الجزائر العاصمة منذ سنوات عديدة، وقد شاهد شفاء آلاف المرضى على يدي الشّيخ الجليل.

بعد فوات الأوان

يعتبر خليل أنّ ذهاب والدته إلى عيادة “الرّقى الشرعيّة” كان في ختام رحلتها المرضيّة. ويوضح أنّ والدته كانت تعاني مرض السرطان، وأنّ الطبّ عجز عن شفائها بعد العمل الجراحيّ، وبعد خضوعها للعلاج الكيماويّ. وفي النّهاية، قال لنا الأطبّاء، إنّ الرّحلة انتهت هنا.

ذهبنا إلى شيخٍ نعرفه في العاصمة، وهناك خضعت والدتي لجلسات علاج روحيّة لم تسفر عن شيء. ذهبنا إلى العيادة تلك ونحن غير مقتنعين، لكن كنّا نريد أن نجرّب كلّ الخيارات، ولا سيّما بعد أن فشل العلاج الكيماوي.

ابتلاء النفس

يعتبر الشّيخ محمود العابد، المدرّس في المدرسة الشرعيّة في القاهرة، أنّ المرض هو ابتلاء للنّفس وامتحان من ربّ العالمين على الصّبر، واختبار لإيمان المسلم.

والقرآن الكريم علاج لكلِّ الأمراض الجسديّة والنّفسيّة، لأنّ الله تعالى قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}[الشّعراء: 80]. وقال أيضاً: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[الرّعد: 28]. فالرّقى الشّرعيّة موجودة في القرآن وموجودة في الحديث النّبويّ. لكنّ الفكرة عن الرّقية الشرعيّة دخلت في سياق التّجارة وفي المال الحرام. ويؤكّد الشيخ أنّ العلاج يكمن في قدرة الآيات الكريمة والأحاديث النبويّة على الشّفاء. وتستطيع الأمّ أن تقرأ الآيات على أولادها والأب أيضاً. لكن أن يقوم ناس بامتهان المسألة، فهذه نافذة للاحتيال، وطريق يجب إغلاقه.

جحافل الرّقاة

يعتبر الصحفي الجزائريّ عمار مخيبي، أنّ جحافل من الرّقاة يعملون باسم الدّين ويتاجرون بآيات الله من الذّكر الحكيم، وهم لا يفقهون تعاليم الشّريعة، ولا يحفظون حتّى حزباً واحداً من القرآن، ويمارسون الرّقية بأبشع أشكالها، فتتحوّل إلى شعوذة وسحر، ويستغلون بساطة النّاس وبساطة تفكيرهم لتجريدهم من أموالهم.

العيادة النفسية

يقول الاختصاصيّ النفسيّ “عيسى عبد الله الفرمول”، إنّ الكثير من الجزائريّين يعتقدون أنّ الذّهاب إلى العيادة النفسيّة فعل لا يتوافق مع التّقاليد الجزائريّة، وإنّ الكثير من الجزائريّين يعتقدون أنّ العيادة النفسيّة تختصّ بالمجانين. لذلك تأتي عيادات “الرّقى الشّرعية” كبديل للمرضى من العيادات النفسيّة. ويعتبر الاختصاصي الفرمول، أنّ حاجة الناس إلى السّرّية، هو ما يدفعهم إلى اللّجوء إلى العيادات الشرعيّة، على الرّغم من تدهور صحّة الكثيرين بسبب جهل الرّقاة وغبائهم، وقد تعرّضت الكثير من النّساء لعمليّات اغتصاب بعد تنويمهنّ على أيدي الرّقاة.

وتعليق..

إذا كان هناك من رقى شرعيّة، بمعنى كلام للرّسول والأولياء، أو آيات قرآنيّة للتوسّل بواسطتها وطلب الرّحمة، فلا إشكال في ذلك، شريطة أن لا يأخذ بها الإنسان بالمطلق ويعتمد عليها، بمعنى إهمال ما يقول به العلم والعقل في حلّ المشاكل، وأن لا يصل بالتّالي إلى حدّ تعطيل العقل واجتناب النّتائج والمستلزمات العلميّة، كما لا يجوز استغلال بساطة النّاس وبراءتهم، وأن يكون ذلك نافذة للبعض لممارسة النّصب والاحتيال .

وفي سياقٍ متّصل، وعن الرّقى الشرعيّة والتّعاويذ، يقول سماحة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض):

 المراد بالرّقى والتّعاويذ، ما يعتمد فيها على نصوص وكلمات ملفوظة أو مكتوبة، يُستفاد منها بقراءتها على المحتاج، أو تحميله إيّاها، أو شرب الماء المقروءة عليه، أو المنقوعة فيه، أو ما هو خلاف ذلك من وسائل الاستفادة منها، ولما كانت هذه النّصوص في معظمها من نوع التوسّل والدّعاء لله تعالى، بأن يدفع شرَّ المرض والعين ونحوهما من المخاطر المحتملة، فإنّه لا مانع من الاعتقاد بصحّتها والعمل بها، والارتزاق منها، غير أنَّ الإسلام قد حثَّ الإنسان على التّداوي من أمراضه بأسباب الشّفاء الواردة في علم الطبّ، مقروناً بالدّعاء والتوكّل على الله تعالى خالق الدّاء والدّواء، مضافاً إلى ضرورة الحذر من الانسياق وراء كلّ ما ورد في ذلك، وتحرّي النّصوص المعتبرة والموافقة لروح الإسلام. (فقه الشَّريعة، ج2، ص174).

وفي موضعٍ آخر يقول: لا يحرم استعمال مثل هذه الحجابات أو الرّقى، ما دام الإنسان يتوسّل إلى ما يريد من خلال الأسباب المادّية، ويطلب العون والمدد من الله عن طريق الدّعاء بلسانه أو بما هو مكتوب في التّعويذة، ويكون ذلك على قاعدة: “اِعقلها وتوكّل“.(المسائل الفقهيّة، ص 67).

من جهة ثانية، وفي ردّ سماحته(رض) على سؤال: هل إنّ للسحر والجن تأثيراً خارجيّاً في حياة الإنسان، يجيب: …وأمّا السّحر، فلا واقعيّة له، ويقتصر تأثيره على مخيّلة الإنسان، لأنّه أعمال خفّة تؤثّر في النظر وتوقع النّاظر في الوهم، ما قد يجعل بعض ضعاف النّفوس يتأذّى في نفسه وعقله بسبب تلك الأعمال، وأمّا استخدام الجنّ، فالجنّ وإن كان موجوداً فعلاً، إلا أنّه لا سلطة له، وليس مسخّرا لنا، فالله أكرم من أن يسلّط مخلوقاته بعضهم على بعض، بحيث يتدخّل أحدنا لتسخير الجنّ من أجل تخريب حياة الآخرين والإضرار بهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى