الرأي

في الحكاية : الراقصة و الجياع..!

بقلم : جواد الأطلس

كان يوما ساخنا بنهاره و ليله، وشاشة التلفاز بلونيها الأسود والأبيض الكلاسيكيان، مازالت مشاهدها أمام عيناي تجوب فضاء الذاكرة ، ذاك الصندوق الكستنائي الذي تم وضعه على طاولة وسط بيت جدي المشيد بالطين الأحمر، واتخذ مكانا بين جيرانه في قرية تبعد حوالي تسعين كيلومترا شرق مراكش، وكيف لك أن تتنازل عن المعروض في الإذاعة الوطنية، بل أنت مضطر للمتابعة بشغف بعد يوم شاق في حقول الذرة، بالرغم من برمجتها المملة والبث الذي ينقله الهوائي المثبت أعلى السطح يجعل صوت الوشوشة المنقط ظاهر على الصورة يحجب متعة الرؤية، نحن الآن في مشهد من صيف ثمانية وتسعين تسعمائة وألف..
جلست كالعادة ممسكا كأس شاي ساخن و أشارك أخوالي مشاهدة فيلم من أفلام الكوميديا للمصري “إسماعيل ياسين”، و ماهي إلا دقائق حتى برزت على الشاشة أرداف راقصة شرقية تهتز بربع فستان، و لم أشعر يومها أن تلقيت لكمة  في ظهري من خالي كي أنصرف دون إتمام الفيلم، لأترك البقية يقهقهون بضحكات المتعة حيال الرقص الساخن،صغر سني آنذاك وضعني في حيرة السؤال من فائدة عرض هذه المواد وغيرها؟ ولماذا هذا الخصام المفتعل مع الجسد لأقراني؟.. لقد بقيت أسئلتي معلقة تنتظر جوابها عن الراقصة والشاشة..!
في أواخر العشرية الأولى من القرن الحالي أخدتني أقدار المسار الأكاديمي لأدرس السوسيولوجيا في مدرجات الجامعة، وصادف أني وجدت أحد الكتب الذي أيقض الماضي بنافذة علمية تجعلني أفهم قليلا، كان كتابا دقيقا تحت عنوان”التليفزيون و آليات التلاعب بالعقول” لمؤلفه عالم الإجتماع الفرنسي “بيير بورديو”، بمجرد قرائتي له اكتشفت يومها أن الراقصة ليست تلك التي تهز الخصر وتسلب كل حواس الناظر، بل إن أمهر راقصة هي الشاشة التي تعرض هذا الأخير، إن التلفزة أخطر راقصة عرفها التاريخ والتي استغلتها الأنظمة السياسية بذكاء فاحكمت قبضتها على العقل العربي، ولاسيما فكر المغربي الجائع و السائل لعابه عن الطابو و المثير فيه، فكيف لا يجوع وهو صائم بتنشئة الكبت لتفتح صنبور الإثارة دفعة واحدة ليسبح باطرافه كلها وينسى ما له و ما عليه بعد يوم شاق، و قبح الله الفقر..
إن المواطن البسيط في وطني ما إن يهم بالإستيقاظ من سبات التدجين الذي يطاله من إعلام متواطيء بأنواعه، المسموع و المرئي والمكتوب الذي يخاطب شيئا من الإثارة، حتى يغط في عرض آخر تبدع فيه الشاشة الراقصة، ومن يدير دفة الإعلام التي تأمرها بالرقص فهو يعرف أيضا متى و أين..!؟
إن رقصات إعلام المخزن له قدرة خارقة للعادة في تحريك جماجم الشعب و خفضها متى شاء، و إن كان هناك دليل لنتأكد فلن نجد أفضل من إحتجاجات الطبقة المطحونة على مهرجانات وطنية،كان أبرزها مهرجان تجاهل الشعب إسمه و صار يتذكره الكبير والصغير بمؤخرة المغنية العالمية “جينيفر لوبيز” والتي أثارت فوران كبير بين الأغلبية المنددة بلقطات إباحية صحبة راقص يرافقها، ذات الوقت الذي لم تتأخر مواقع الصحافة الإطفائية التابعة للمخزن محاولة إخماد بركان شعبي كلما ندد الشعب بمسؤول حساس في هرم السلطة بالبلد، إن المواقع السالفة الذكر، منها أسماء متصدرة في التصفح الالكتروني انهالت بالكذب على المواطنين من قبيل صدور عقوبات تأديبية في حق “سليم الشيخ” مدير القناة الثانية ، و “سميرة سيطايل” مديرة الأخبار ونائبة المدير العام بالقناة، و وضعت عبارات بتحايل لغوي تفيد إحتمال صدق المعلومة من عدمها، ومن يضع عنوان القضية لحد الآن على محرك البحث “غوغل” سينفجر ضاحكا من مقالات مازالت موجودة لليوم، صيغت لتضليل والكذب تحمل تواريخ السنة الماضية، هذه البروباكندا الإعلامية القديمة في الحيل نجحت في كبح غضب الشارع المغربي لمدة سنة لغاية الآن ونحن على بعد أيام قليلة من الدورة 15 لمهرجان موازين، و الذي تنظمه جمعية “مغرب الثقافات” التي يرأسها منير الماجدي الكاتب الخاص للملك، أحد الأسماء البارزة في القصر، التي برزت في تسريبات بنما الأخيرة المتعلقة بحجب أموال خارج البلاد هربا من تأدية الضرائب حيث مازال التساؤل القانوني بين شد وجذب حيال بعدها القانوني في هذا التحويل الضخم للأموال حسب قانون المالية المنظم لمثل لهذه العمليات، إن مهرجان “مؤخرة لوبيز” عاد مجددا،موعد سنوي وصلت ميزانيته سبعة فاصل تسعة مليون دولار للدورة، و المسؤول عنه الماجيدي كإسم بارز في القضية لا يمكن أن يتم توقيفه، لأن يد المخزن لا تصفع وجهها والقانون كتبه قلمها، فلا يمكن أيضا أن ننتظر شيئا حيال التحقق في قضية القانون الضريبي فهي تعرف شعاب البيت، ففي قضايا الملفات الكبرى ينتقل الرقص خارج الشاشة و يصبح نقرا هادئا في دواليب الدولة العميقة لتحمي نظامها السياسي.
إن كتاب “بورديو” المعنون “بالتلفزيون و آليات التلاعب بالعقول” يبين بشكل جد مفزع كيف تعتمد الدولة مؤسساتها الإعلامية للسيطرة على المواقف الحرجة،بدءا من مشاعر العاطفة و تشتيت الاهتمام بواقعة عن أخرى إلى جعلك الهاديء المتعاطف مع أخبث رجالاتها، ولاسيما أن الكتاب يوضح بتفسير ممل كيف تلعب الأنظمة السياسية لعبتها في تعليب عقل المواطن والتحكم في إختياراته مما يساعدها على ضبط تحركاته في الحياة الإجتماعية و النقابية،بل أكثر من ذلك التأثير في إيديولوجياته التي قد تكون معارضة لسياسة السلطة متى يصرخ أو يصمت..
إن سخط الجماهير على المهرجان في ذات الموسم ها قد حل من جديد، يوم رفع المعارضون شعار “فلوس الشعب فين مشات موازين والحفلات..” هي نفس الجماهير اليوم ستبارك هذا الحدث و ستملأ الساحات والمنصات لتهتز من جديد على صخب موسيقاها، و سيرقص صاحب أكبر كمية تدوينات إحتجاجية بعد دورة العام الماضي و من قلبه الخالص سيغني المحتج منهم ويعزم صاحبته وبنيه، فأصل الحكاية أن جياع وطني صناعة معلبة من إبداع الدولة كما تعلب صادراتها، و جوعها جوع العقول من وعيها و فكرها الحر،يصبح فيها الكائن مروضا على سجية الساسة، أما عطش الجسد والطابو الذي عرضه تلفزيون المخزن منذ سنين خلت، هو صورة لا تشفي غليل النزوة المتناقضة مع العادات، لأنه على الدوام في حاجة لجرعات،و من منعته الطفولة مثلي من مشاهدة الراقصة، هي اليوم مشهد شهي على أرض وطني، فالدولة أحضرت لكم اليوم جاريات، فارقصوا وامرحوا على جثث من احترق و سحق بكرامته ليعيش عشاق الراقصات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى