تحقيقات

مستقبل العلاقات المغربية الإسرائيلية : سوسي في قلب إسرائيل وإسرائيلي في قلب سوس

عبد الله الفرياضي

يعتبر موضوع العلاقات المغربية الإسرائيلية من بين المواضيع التي تثير الكثير من الجدل بالمغرب. فإثارة النقاش حول هذا الموضوع ينتهي عادة بالتشنجات. معارضو التطبيع من عادتهم إطلاق وابل من التهم الجاهزة في حق دعاة التطبيع من قبيل الخيانة والعمالة لإسرائيل. فيما دعاة التطبيع بدورهم لا يتوانون في رد الصاع صاعين لمعارضي التطبيع بدعوى انخراطهم في مشروع إيراني أو بعثي مدفوع الأجر ولا يمت إلى المصالح الاستراتيجية للمغرب بصلة.
جريدة حقائق مغربية تحاول في هذا العدد أن تفتح ملف العلاقات المغربية الإسرائيلية من خلال استضافة أحد النشطاء الأمازيغ المنحدرين من منطقة سوس للحديث عن تجربته مع إسرائيل، كما تستضيف أيضا أحد الأكاديميين الإسرائيليين الذين يزورون بين الفينة والأخرى منطقة سوس.

العلاقات الاقتصادية في انتعاش

عادة ما تكشف دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية في تقاريرها السنوية تنامي وتيرة المبادلات التجارية بين المغرب وإسرائيل. إذ يوجد المغرب، الذي يرمز له برمز MA464ضمن قائمة تضم ما يزيد على 111دولة تتعامل اقتصاديا وتجاريا وسياحيا مع إسرائيل. ففيسنة 2005 مثلا بلغت صادرات المغرب نحو إسرائيل مليونا و400 ألف دولار، فيما وصلت واردات المغرب من السلع الإسرائيلية 11 مليونا و800 ألف دولار.أما سنة 2006 فقدبلغت الصادرات المغربية مليون و800 ألف دولار، بينما ستنخفض الواردات الإسرائيلية إلى المغرب إلى 11 مليون ونصف مليون دولار.
بينما قفزت الصادرات المغربية نحو إسرائيل إلى مليونين و700 ألف دولار سنة 2007، وواردات المغرب من إسرائيل إلى 16 مليونا و600 ألف دولار، في حين سُجل في سنة 2008 ارتفاع الصادرات المغربية إلى ثلاثة ملايين و900 ألف دولار، وحقّقت الواردات الإسرائيلية رقما قياسيا، مسجِّلة 20 مليونا و600 ألف دولار. تلك فقط نماذج من أرقام المبادلات التجارية بين البلدين، تعكس بقوة حجم العلاقات الاقتصادية بينهما في الوقت الذي تنفي فيه العديد من الجهات الرسمية وجود أية علاقات.
العلاقات السياسية بين البلدين

العلاقات السياسية بين المملكة المغربية وإسرائيل لم تنقطع حسب الكثير من الخبراء رغم إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط سنة 2000. بل استمر التواصل السياسي والديبلوماسي بين البلدين وإن من خلف الستار.
فالكل يتذكر الدور الاستراتيجي الكبير الذي لعبته المملكة المغربية في مسلسل السلام في الشرق الأوسط، خصوصا أن اللقاء الرسمي الأول بين وزير الخارجية الاسرائيلي، موشي ديان، وبين المستشار السياسي للرئيس المصري حسن التهامي، لترتيب زيارة السادات الى اسرائيل، عقد بشكل سري في المغرب. كما أنه بعد توقيع اتفاقيات اوسلو في واشنطن، سنة 1993 عرج رئيس الحكومة الاسرائيلية اسحق رابين، على الرباط حيث استقبله الملك الحسن الثاني.
هذا علاوة على استقبال جلالة الملك محمد السادس لوزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم، ووزير الدفاع ورئيس حزب العمل عمير بريتس. فيما سبق لمسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى أن زاروا المغرب في أنشطة رسمية من قبيل المؤتمر الدولي السادس والعشرين للسكان بمراكش، ومشاركة وفد من الكنيست الإسرائيلي في أشغال الدورة الثانية للجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط.

مناهضو التطبيع ينتظمون

في ظل هذا الوضع الموسوم بوجود علاقات فعلية بين البلدين رغم النفي الرسمي المستمر، بدأت أصوات مناهضي التطبيع تتعالى وتنتظم داخل مجموعة من الهيئات المدنية أهمها الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني التي يرأسها بنجلون الأندلسي ومجموعةالعملالوطنيةمنأجلفلسطين التي ورثها عبد القادر العلمي عن خالد السفياني، علاوة على المرصد المغربي لمناهضة التطبيع الذي يرأسه أحمد ويحمان والمبادرةالوطنيةضدالتطبيعوالعدوان التي يتزعمها عزيز هناوي.
وبالرغم من معهد مركز كارنيغي للشرق الأوسط التابع لوزارة الخارجية الامريكية قد اعتبر إقدام البرلمان المغربي على التداول بشأن قانون يجرم التطبيع مع إسرائيل مجرد مساومة سياسية، إلا أن مجرد التفكير في خرق القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل صيانة الحقوق الطبيعية والمدنية للإنسان كالحق في التنقل والتعبير عن الرأي من طرف المؤسسة التشريعية المغربية، يعتبر في نظر الكثيرين بمثابة تعبير عن وجود تغلغل كبير للتيار المناهض للتطبيع في عمق المؤسسة التشريعية.
بروس مادي وايتزمان
باحث في مركز موشي ديان التابع لجامعة تل أبيب

المكانة التي يحظى بها المغرب لدى واشنطن يعود الفضل
الكبير فيها إلى اللوبي الموالي لإسرائيل

يرى أستاذ علم الاجتماع الإسرائيلي والباحث في مركز موشي ديان التابع لجامعة تل أبيب، أن العلاقات المغربية الإسرائيلية ما تزال مستمرة على أكثر من صعيد رغم توقفها رسميا منذ خمسة عشر سنة مضت. مشيرا إلى أن اسرائيل تود إقامة علاقات طبيعية مع جيرانها. كما أشار في حوار أجرته معه “حقائق مغربية” أن محمد السادس لا يريد أن يلعب نفس الأدوار الاستراتيجية التي لعبها والده بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أمام إصرار مصري على لعب الأدوار الرئيسية.

كيف تنظرون إلى الوضعية الحالية للعلاقات المغربية الإسرائيلية؟
في الواقع، فالعلاقات بين المغرب وإسرائيل موجودة اليوم على أكثر من مستوى. فالسياح الإسرائليون مثلا يزورون المغرب بالآلاف وهم مرحب بهم. كما أن العلاقات الثنائية بين البلدين على المستوى التجاري قائمة. علاوة على الزيارات التي يقوم بها الآلاف من المغاربة إلى إسرائيل أيضا. ففي السنة الماضية فقط تم تسجيل زيارة أكثر من 1500 مغربي لدولة إسرائيل. وأظن أن هناك حوارا مستمرا بين البلدين بشأن القضايا السياسية والأمنية ولو خلف الستار.
على كل حال، فالعلاقات الديبلوماسية الرسمية متوقفة منذ شهر أكتوبر من سنة 2000، وهو واقع يبدو أنه لن يتغير طالما لم تسفر عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين عن أي انفراج.
تطبيع العلاقات بين البلدين هو أحد المطالب التي يدافع عنها تيار مدني وسياسي بالمغرب، غير أن هذا التيار عادة ما يواجه من طرف تيار آخر يعارض التطبيع عبر اتهامات تتراوح ما بين الخيانة والعمالة لإسرائيل. ما الذي يعنيه هذا الوضع بالنسبة لدولة إسرائيل؟
إسرائيل بطبيعة الحال تود إقامة علاقات طبيعية مع جميع جيرانها وعلى رأسهم المغرب. كما أنها ايضا مهتمة بتشجيع فعاليات المجتمع المدني المؤمنين بقيم التعايش في جميع البلدان. لسوء الحظ، هناك دعايات مغرضة وبروباغندا كبيرة ضد إسرائيل وضد دعاة الحوار كما هو الحال في المغرب.
المعروف أن المغرب كان يلعب طيلة فترة حكم الحسن الثاني أدوارا استراتيجية من أجل إنجاح مسلسل السلام في الشرق الأوسط. هل تعتقدون أن مغرب محمد السادس يلعب نفس الأدوار؟
لا يبدو أن الملك محمد السادس يريد أن يلعب نفس الدور، كما أن المنتظم العربي المشترك، الذي كان الحسن الثاني فاعلا فيه بقوة، لم يعد بنفس الوضع الذي كان عليه سابقا.
هل يمكن القول بأن المغرب يملك ذات المواصفات التي تملكها مصر تمكنه اليوم من لعب دور الوساطة في حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني؟
مصر تصر على لعب الدور الاساسي. والمغرب بوسعه فقط أن يساعد على تسهيل وتيسير اللقاءات، لكن لا يمكنه تقديم حوافز ملموسة للطرفين.
دائما ما نطالع في بعض التقارير الإعلامية أن المغرب يحتل مكانة خاصة في قلوب الإسرائيليين، خصوصا ذوي الأصل المغربي. هل هذا الأمر صحيح؟
هذا الأمر فيه الكثير من المبالغة، رغم أن الرعيل الاول من المغاربة الإسرائيليين يرتبطون فعلا بنوع من النوستالجيا مع المغرب.
العلاقات الدولية تعني بكل بساطة تبادل المصالح. والتطبيع مع إسرائيل في نظر البعض يعني تقديم خدمة سياسية لإسرائيل في ظل الوضع المعقد الذي تعيشه المنطقة. لذا يتساءلون: ما الذي تقدمه إسرائيل للمغرب حتى نقبل بالتطبيع معها؟
بكل بساطة يمكنني أن أقول بأن المكانة التي يحظى بها المغرب لدى واشنطن يعود الفضل الكبير فيها إلى اللوبي الموالي لإسرائيل.

عبد الرحيم الشهيبي
ناشط وباحث أكاديمي أمازيغي

لا يعقل أن نتخلى اليهود الذي يشكلون بحق جاليتنا في اسرائيل
دون أن ننفتح على البلد الذي يعدون حاليا مواطنيه

يتحدث الناشط والباحث الأمازيغي المنحدر من منطقة سوس، عبد الرحيم الشهيبي، في هذا الحوار عن تفاصيل زيارته لإسرائيل. مشددا على ضرورة إعادة تطبيع العلاقات بشكل رسمي بين المغرب وإسرائيل مادامت هذه العلاقات مستمرة في الخفاء. معربا عن اعتقاده بأن المغرب مؤهل بشكل كبير ليلعب دورا مهما في إحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أكثر من مصر وتركيا. في هذا الحوار يتحدث الشيهيبي أيضا عن اتهامه بالعمالة لإسرائيل ومواضيع أخرى.

(الصورة المرفقة هي لعبد الرحيم الشهيبيمع دافيد دادون السفير الاسرائيلي السابق
في المغرب ومدير مكتب شمال افريقيا بوزارة الخارجية الإسرائيلية حاليا)

قمتم مؤخرا بزيارة لدولة إسرائيل، وهي الزيارة التي خلفت ردود فعل متباينة. ما هي السياقات التي جاءت فيها تلك الزيارة؟
الزيارة تمت بدعوة من كل من وزارة الخارجية الاسرائيلية ووزارة القدس وشؤون الدياسبورا، وذلك من أجل المشاركة في منتدى عالمي يهتم بمحاربة معاداة السامية. أما عن سبب مشاركتي فذلك لأنه تم اقتراحي من طرف أصدقاء أكاديميين بالجامعات الاسرائيلية بالنظر لاهتمامي كباحث بتدريس الأديان والثقافات ومهتم كذلك بتدريس الهولوكوست والثقافة اليهودية المغربية، وسبق لي أن شاركت في لقاءات مماثلة في العديد من البلدان. وبمجرد أن تلقيت هذه الدعوة من الحكومة الاسرائيلية، أحسست بسعادة غامرة، حيث كنت أرغب دوما في زيارة هذا البلد والوقوف بالعين المجردة على واقعه الحقيقي وليس كما تصوره لنا وسائل الاعلام ذات أهداف وأجندات سياسية مختلفة.
قبلت هذه الدعوة وراسلت وزارة الخارجية الاسرائيلية في شأن الترتيب لهذه الزيارة بالنظر إلى أن العلاقات القنصلية (وليس كل العلاقات) بين المغرب واسرائيل متوقفة منذ سنة 2000، ولهذا السبب كان من الصعب الحصول على تأشيرة الدخول إلى الأراضي الاسرائيلية، لكن وزارة الخارجية سهلت علي هذا الأمر بحيث أرسلت لهم طلب الحصول على التأشيرة وكل الوثائق المطلوبة، ثم سافرت في اليوم الموعود إلى تركيا قصد استخلاص التأشيرة مباشرة من القنصلية الاسرائيلية باسطنبول، لم يتطلب الأمر أكثر من 5 ساعات من الانتظار ثم سافرت في ذات اليوم إلى مطار بن غوريون في تل أبيب.
زيارتكم تلك كما قلت سابقا، خلفت ردود فعل متفاوتة من طرف الشارع المغربي. ومن بين هذه الردود اتهامكم بالتطبيع وحتى العمالة للمخابرات الإسرائيلية؟
في الواقع أنا لا أهتم بهذه الاتهامات لأنها دائما تكون صادرة من أناس ليسوا محايدين. هم أناس مستفيدون ماديا ويكونون دائما على أهبة الاستعداد لتوجيه مثل هذه الاتهامات لكل من يحمل أفكارا أخرى تناقض أفكارهم أو بالأحرى تتجه نحو تكسير ثوابتهم الفكرية وتهديد مستقبل أنشطتهم في المغرب التي تشكل مصدرا مدرا للربح بالنسبة لهم ولابد أن يسعوا للحفاظ عليه بشتى الوسائل والتي من بينها شيطنة اسرائيل وتقديمها في صورة مفزعة، كما أنهم يبنون خطابهم على العاطفة العرقية أو الدينية.
لنتحدث قليلا عن التطبيع مع اسرائيل. هذا المفهوم يحيل على أن هناك مشاكل في مختلف العلاقات بين المغرب واسرائيل. أنا بالنسبة لي لا أرى أن هناك قطيعة تامة بين هذين البلدين مادامت المبادلات الاقتصادية والسياسية تتم بينهما وإن بشكل محتشم. فالمنتوجات الاسرائيلية متواجدة في الأسواق المغربية ولعلها الأفضل جودة من مثيلاتها من منتوجات دول أخرى. كما أن هناك تبادل سياسي بين البلدين بشكل مباشر أو عبر وسطاء. المشكل يكمن فقط في أن هناك رغبة مغربية في التستر وعدم الرغبة في تطوير هذه العلاقات، بالرغم أن المغرب كان يلعب دورا مهما في عملية السلام في الشرق الأوسط، حيث كان هناك مكتبين للاتصال بين البلدين في كل من الرباط وتل أبيب استمرا في الاشتغال بشكل عادي من سنة 1994 إلى غاية سنة 2000 حيث تم إغلاقهما بمبادرة فردية من المغرب وتحت ضغط من بعض الدول في الجامعة العربية وبالتالي خسرنا دورا مهما كان يلعبه المغرب بشكل جيد في عهد الحسن الثاني في ما يتعلق بتسهيل التواصل بين الفرقاء الاسرائيليين والفلسطينيين. أضيف أكثر من هذا أنني لست أول مغربي يذهب إلى اسرائيل، ففي كل سنة يستقبل هذا البلد المئات من المغاربة الذين تختلف أغراضهم من الزيارة بين السياحة والتجارة والعمل الأكاديمي.
إذن التطبيع بالنسبة لي هو مصطلح متجاوز طالما هناك علاقات بين البلدين وطالما أن هناك كذلك علاقات بين مواطنيهما. في المقابل أنا أركز على مفهوم التقارب بين اسرائيل والمغرب، أي تقوية العلاقات وتطويرها بما يفيد المصالح بين البلدين. إذا كنا مهتمين فعلا بمشاكل الشرق الأوسط والصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين فيجب أن يكون تدخلنا بما يفيد تحقيق السلام والمصالحة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وليس إدامة الصراع لأن تحقيق السلام لا يمكن أن يتم بتهميش طرف أساسي العملية الذي هو اسرائيل.
أرى أن المغرب مؤهل بشكل كبير ليلعب دورا مهما أكثر مثلا من مصر التي ليست محايدة وأكثر من تركيا التي يحكمها الاسلاميون حاليا. وربما يمكن أن يلعب هذا الدور أكثر مما مضى حين كان هاجس الشرق الأوسط يشكل أولوية في السياسة الخارجية المغربية. لكن قبل ذلك أؤكد على ضرورة انفتاح المغرب على اسرائيل، لأن المزايا التي سنستفيدها من ذلك أكبر بكثير مما هي عليه الآن في ظل إضفاء السرية على هذه العلاقات، وان كانت فلسطين فعلا تهم صناع القرار المغاربة فلا يجب أن يغرسوا رؤوسهم في الرمال لأن الحل الحقيقي وتحقيق السلام المنشود هو بيد اسرائيل ولا أظن أن تهميش الطرف الأساسي في هذه العملية يمكن أن يدفع بالمفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين نحو الأمام.
يرى بعض النشطاء الأمازيغ الذين يزورون اسرائيل أنهم هم الوحيدون المستهدفون بمثل تلك الاتهامات، على اعتبار أنهم ليسوا الوحيدون الذين يزورون اسرائيل؟
ما من شك في ذلك، العديد من المغاربة يقصدون اسرائيل سواء لأغراض سياحية أو اقتصادية أو حتى دينية. هناك من الفنانين من يذهب إلى هذا البلد لإحياء حفلات وأعراس عائلية ليهود مغاربة، وهناك من يذهب للتبضع وتوقيع صفقات مع شركاء اسرائيليين، ثم إن العديد منهم يذهبون للسياحة أو لزيارة المسجد الأقصى لممارسة شعائر دينية. في الواقع تتعدد أسباب الزيارة وحتى أشكالها، فهناك من يقصد هذا البلد بشكل مباشر عبر الحصول على تأشيرة الدخول إلى الأراضي الاسرائيلية أو بشكل غير مباشر عبر المعابر الأردنية أوتلك التي تفصل بين اسرائيل والأراضي الواقعة تحت السلطة الفلسطينية.
من جانب أخر، تتواجد بإسرائيل نسبة كبيرة من اليهود ذوي الأصول المغربية، والكثير من هؤلاء لهم ارتباط وجداني وثقافي مع المغرب. البعض منهم يزور باستمرار بلد أباءه وأجداده ويحضر الاحتفالات الدينية التي تقام في العديد من المدن المغربية التي كان اليهود يتواجدون بها فيما مضى. وأثناء تواجدي في اسرائيل، تعرفت على العديد من الشباب ذوي الأصول المغربية. في المطار الشاب المكلف باستقبالي أسر لي أن والديه من الدار البيضاء لكنه لم يسبق له زيارة المغرب ويتمنى أن يفعل ذلك في أقرب فرصة. وأثناء تنقلي من تل أبيب نحو الفندق الذي سأقيم فيه بالقدس، تجاذبت أطراف الحديث مع السائق، وأخبرته أنني مغربي. وبشكل عفوي وضع موسيقى لفنانة اسرائيلية تغني أغاني مغربية، ليخبرني كذلك أنه ذو أصول مغربية. وقد وقعت العديد من الصدف الجميلة في القدس أثناء ارتيادي للمطاعم والأسواق في هذه المدينة إذ لا ينتهي يوم دون أن ألتقي العشرات من الاسرائيليين ذوي الأصول المغربية. وفي اليوم الأخير من زيارتي تكلفت شابة يهودية فرنسية (وهي صديقة سبق لي أن التقيتها في المغرب) مهتمة بجمع التراث الفني لليهود الأمازيغ بإقامة حفل في منزلها بالقدس، وقد أعدت مفاجأة سارة حيث دعت بعضا من الشابات والشبان الاسرائيليين من أصول مغربية. كانت الحفلة البسيطة رائعة لأننا تشاركنا حكايات عديدة وتعرفت عن قرب عن شباب لا يختلفون معي سوى أنهم يعيشون في اسرائيل. وأثناء هذا الحفل اقترب مني شاب وسألني أين يقع مسقط رأس والده (أيت يحيا) وأشرت إليه أنه يتواجد بالقرب من تارودانت ثم يتحدث عن ما كان يحكيه له والده من التعايش بين المسلمين واليهود في ذلك الدوار الصغير حيث أشار إلى أن والده كان فنانا كبيرا يترأس فرقة أحواش أغلب أعضائها من المسلمين.
لا أخفي عليك أنه أثناء النقاش مع المسؤولين الاسرائيليين في وزارة الخارجية، سألت أحدهم إن كانت اسرائيل تأخذ بعين الاعتبار الجانب المغربي في ثقافة اليهود القادمين من هذا البلد، وتفاجأت كثيرا حين أجابني أن بالتأكيد على أن الدولة ترعى متحفا كبيرا في قلب القدس يضم تراث اليهود القادمين من شمال افريقيا، كما أكد لي أن اسرائيل تدرس حاليا امكانية ادماج هذه الثقافة في التعليم وتخصيص يوم وطني للاحتفال بعيد ميمونة الذي هو عيد خاص بيهود المغرب وشمال افريقيا دون غيرهم. حين سمعت بهذا المتحف اتجهت لزيارته لكن للأسف لم تتحقق رغبتي لأنني وصلت على الساعة السادسة والنصف ووجدته مغلقا فاكتفيت بالتجول في ارجاءه. تظهر البصمة المغربية على العمارة التي تضم هذا المتحف، هو شبيه بما نجده المساجد والرياضات العتيقة حيث الزليج المغربي الأصيل والنافورات التقليدية تملأ المكان، إنه شبيه بقصر مغربي من قبيل القصور التي يسكنها الأثرياء والقواد في الزمان المغربي الغابر. وقد أخبرتني مرافقتي الاسرائيلية أن هذا المتحف خصصت له الدولة ميزانية كبيرة وتم استقدام حرفيين ومهندسين من المغرب خصيصا لبنائه وإضفاء طابع مغربي صرف عليه.
أعتقد أنه لا يعقل أن نتخلى عن كل هؤلاء اليهود الذي يشكلون بحق جاليتنا في اسرائيل دون أن ننفتح على البلد الذي يعدون حاليا مواطنيه؟ أعتقد أننا سنخسر الكثير إذا خسرنا تلك الروابط الوجدانية التي تجمع بين هؤلاء والبلد الذي دفن فيه العديد من أجدادهم، وأعتقد أن هؤلاء يشكلون الأمل بالنسبة لنا للحصول على دعم اسرائيلي لتحقيق التنمية في بلدنا أو للدفاع عن مصالحنا أمام المنتظم الدولي الذي تتوفر فيه اسرائيل على صوت مسموع أكثر من العديد من البلدان التي ننفتح عليها ولا نستفيد منها شيئا إن اقتصاديا أو سياسيا.
هناك أطراف مغربية أخرى لا تمانع في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بل تدعو إلى ذلك بقوة. لكنها تؤاخذ عليكم أنكم بزياراتكم لإسرائيل إنما تساهمون في كسر طوق العزلة الذي تعيشه، لأن إسرائيل لا تقدم أي مقابل للمغرب نتيجة ما تقدمون لها. ما ردكم على ذلك؟
تضحكني كثيرا مثل هذه المفاهيم. العزلة؟ من الذي يعزل اسرائيل؟ العزلة هذا مصطلح ديكتاتوري لا يقدر على إطلاقه سوى الديكتاتوريون، وبالنسبة لي أنا أكره المنظومة الدكتاتورية وغير مستعد تماما أن أسمع منهم أو أسير إلى جنبهم لأنهم بكل بساطة غير مؤهلين لإسداء النصح طالما أنهم يضعون شعوبهم تحت نير سلطتهم.
اسرائيل دولة ديمقراطية، إنها الدولة الوحيدة التي يمكن أن توصف بهذا الوصف في غابة من الديكتاتوريات التي تحيط بها. أشير إلى نقطة مهمة هي التي ساهمت في تغيير موقفي من معاداة اسرائيل إلى المطالبة بتحقيق التقارب معها: منذ أن أصبحت أعي وأفهم الأحداث وأنا أرى اسرائيل تتقدم ديمقراطيا. فمنذ 1990 إلى غاية اليوم، العديد من الأشخاص تناوبوا على منصب رئيس الوزراء في اسرائيل. وفي المقابل في البلدان المجاورة لإسرائيل شخص واحد هو متشبث بمنصب الرئاسة وبالزعامة ضربا لكل الأعراف الديمقراطية. في بعض الأحيان أحس بالحنق حين أرى نفس المفاوضين الفلسطينيين منذ عقود كثيرة يتفاوضون مع اسرائيليين يتغيرون باستمرار، أحيانا أتعجب كيف لهؤلاء أن يطوروا مسار عملية السلام بنفس الأفكار إن لم يكن هدفهم هو استمرار الوضع الحالي الذي يبدو أنهم أولى المستفيدين منه؟ كيف يعقل مثلا أن يكون ياسر عرفات تشبت بمنصبه طيلة عقود وعايش العديد من رؤساء الوزراء الاسرائيليين؟ هل يعني هذا أن الفلسطينيين لم يستطيعوا انجاب قادة آخرين كما تفعل اسرائيل باستمرار؟
أما فيما يتعلق الخدمة أو ما يمكن أن أقدمه لإسرائيل، فهذا الأمر ليس غريبا بالنسبة لي، لأنني أسمعه كثيرا ويطرحه دائما أناس من منظري فكرة المؤامرة: كل من يزور اسرائيل أو يعبر عن أفكار مناقضة لمشروعهم فهو عميل أو خادم. الأمور يا صديقي لا تسير بهذا النحو، اسرائيل أصلا لا تحتاج لمن يدافع عنها مادام نمطها السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي متطورا ويتجاوز بكثير الأنماط التي نعيش في ظلها أو حتى التي يسعى بعضنا لإقامتها. سأخبرك هنا عن ما شاهدته في هذا البلد، فحين ذهبت لزيارة الأماكن المقدسة (اليهودية والمسيحية والاسلامية) شاهدت بعيني الطريقة التي تدبر بها اسرائيل هذه المجالات المقدسة، دخلت للمنطقة اليهودية بسلاسة، ودخلت إلى كنيسة القيامة ثم زرت المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وكل هذه المعالم تتواجد في نفس المكان، وترى المؤمنين يقومون بطقوسهم الدينية بكل حرية، هذه الحرية التي تفتقد إليها كل البلدان التي تصدر إلينا أفكارا تحث على الكراهية ومعاداة اليهود. أؤكد لك شخصيا أننا من يحتاج لأن تقدم لنا اسرائيل الخدمة وليس العكس، نحتاج فعلا أن نستورد هذا النموذج الاسرائيلي في تدبير الاختلاف والتعايش الجماعي.
لكن تلك الأطراف التي أعنيها هنا تقول المؤاخذات التي يسجلها المغاربة على اسرائيل تتجلى أساسا في لبس تعاملها مع القضايا المغربية كالأمازيغية وقضية الصحراء؟
أسجل أنه خلال محادثاتي مع المسؤولين بوزارة الخارجية الاسرائيلية أن لديهم وعي كبير بالشؤون المغربية، هناك تتبع لما يحدث في المغرب وفي باقي البلدان المجاورة. في وزارة الخارجية الاسرائيلية هناك مديرية خاصة ببلدان شمال افريقيا. أؤكد إذن أن هناك اهتمام اسرائيلي بشؤون الصحراء وحتى القضية الأمازيغية إن كان ذلك بشكل رسمي أو غير رسمي في إطار أكاديمي، وقد التقيت بأستاذ وباحث بجامعة تل أبيب يهتم بشكل كبير بالقضايا المغاربية ومن بينها الأمازيغية وله كتاب باللغة الانجليزية تحت عنوان “الحركة الهوياتية الأمازيغية وتحدي السلطة ببلدان شمال افريقيا”.
الاهتمام الرسمي بالشؤون المغربية تحكمه العديد من الاعتبارات خصوصا أن الدولة الاسرائيلية تبحث لنفسها عن تفاهم مع بلدان شمال افريقيا، وبالتالي فإن اهتمامها بالقضايا المغاربية تحكمه المصالح الاقتصادية والسياسية بالدرجة الأولى. وحين يستطيع الأمازيغ أو مختلف الناشطين السياسيين المغاربة أن يفهموا هذا الجانب فإنني متأكد أن اسرائيل ستلعب دورا ايجابيا فيما يتعلق بالقضايا التي تهم المجتمع أو حتى الدولة. كأمازيغ لنا معركة من أجل الاعتراف بالتعدد الثقافي المغربي أجد أن لنا فائدة في التفاعل مع المجتمع المدني والأكاديمي الاسرائيلي. أما قضية الصحراء فهي قضية دولية تحت رعاية الأمم المتحدة وهذه الصفة التي تكتسيها هذه القضية تجعل اسرائيل (كما مختلف القوى الدولية) في قلب الاهتمام لتسوية الوضعية، ما يتبقى هو أن الحكومة المغربية يجب أن تكون واعية بهذا الجانب وتسعى بحس براغماتي لاستغلال هذا الاهتمام الاسرائيلي من أجل التقارب بين الحكومتين بما يمكن أن يساهم في تحقيق الحل المغربي بكل واقعية. لكن ذلك لا يمكن أن يتم بإغفال للمصالح الاسرائيلية التي هي في الواقع مصالح متبادلة لذلك يجب التفكير بجدية في تحقيق التقارب بين المغرب واسرائيل.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى