تحقيقات

حقائق مغربية تقتفي أثرها في الصحراء وأكادير وسيدي إفني دعارة الملحفة: من المقدس إلى المدنس

المجتمع الصحراوي ولا ريب مجتمع محافظ ينبذ كل أشكال الفساد الأخلاقي وينظر بعين الاحتقار والدونية لكل من تمتهن و تسلك سبل الدعارة. بيد أن واقع الحال لا يجسد ذلك الاحتقار و تلك النظرة الشزراء، بقدر ما يبرز فيه التأقلم و التعايش وغض الطرف وخلق فضاءات و شقق مفروشة ومنتجعات تساعد على التطبيع والتأصيل لثقافة الليالي الحمراء، ولم لا الذهاب بعيدا نحو إيجاد موطئ قدم لمفاهيم الوساطة والقوادة في تربة أرض بني حسان العذراء.yag9
مفارقات صارخة إذن بين النزعة المحافظة للمنظومة القيمية لسكان الصحراء وبين واقع حال شريحة عريضة من فتيات أنتجتهن تلك المنظومة على امتداد أرض وادنون والساقية والوادي، مفارقات أفرزت في مناطق أخرى من المغرب، بل وحتى خارج المغرب، ميلاد نزعات شهوانية لا يحكمها إلا فونتازم ” الونسة الصحراوية”.
حقائق مغربية تقتفي من خلال هذا العدد أثر هذه الظاهرة بدءا ببورديلات حرب الصحراء، مرورا بالشقق المفروشة والمنتجعات السياحية والملاهي الليلية وصولا إلى كباريهات الخليج، مع ما رافق هذه الرحلة من الانتقال بالملحفة الصحراوية من سياقات القداسة نحو حضيض التدنيس.

إعداد: الحسن صبار

مساءلة التاريخ

إن المتتبع لمسار تفشي الدعارة بالأقاليم الجنوبية، لاشك سيخلص في النهاية أن هذه الظاهرة قد برزت بشكل منظم إبان انتشار ما يسمى ب”البورديلات” أو الأحياء المعدة للدعارة وسط التجمعات السكنية واختلاطها بالساكنة، حيث أنشئت هذه الأحياء في البدء من أجل خلق متنفسات للجيوش التي كانت مرابضة لفترات طويلة بالصحراء وكإجراء احترازي لتفادي واقعة ظل الجميع يرددها وهي اقتحام مجموعة من الجنود لحمام النساء.
وهذا الإجراء لم يكن وليد صدفة بل استمد أصوله من المستعمر الفرنسي الذي جعل من درب”بوسبيير” بالدار البيضاء حيا للدعارة لتخفيف الضغط على الجنود.
هكذا أصبحت للدعارة إذن سمة شرعية وقانونية بعزل المومسات في حي خاص لتسهيل وتيسير الولوج الزبناء ومن تفكر في امتهان البغاء، فنجد هذه البورديلات في كلميم بشارع الجيش الملكي وسوق الجمال وحيط لونيب بمدينة العيون و شارع الكامبو وزنقة التجارة بمدينة الطنطان وبواد الزاك وغيرها من المدن الصحراوية التي كان يتم الحرص فيها على توفير هذه الأحياء رغم قلة ساكنتها، حيث يتم في الوهلة الأولى استقدام بائعات الهوى خارج هذه المدن، لكن سرعان ما يختلطن بالنساء الصحراويات اللائي عادة ما يتأثر بهن بعضهن، ليتم الزج بهن في سوق النخاسة البشرية ليبدعن هن بدورهن أساليب جديدة جعلتهن من أغلى الأجساد في سوق النخاسة البشرية. هي إذن نتيجة، غير أن كل نتيجة لا شك أنها في حاجة إلى مقدمات.
مداخل تفشي الدعارة بالأقاليم الجنوبيةملحفة

تمكنت عدة عوامل مجتمعة من جعل الأقاليم الجنوبية تتبوأ مكانة متقدمة في الدعارة و انتشارها، فبالإضافة إلى كثرة الشقق المفروشة المتواجدة بالمدن على غرار المدن الساحلية و غياب التشديد في التحقق من العلاقة التي تربط بين الراغبين في كراء تلك الشقق أو ارتيادها، كان لمقاهي “الشيشة” المنتشرة بكثرة اثر كبيرعلى انحراف العديد من الفتيات، فبمدينة كلميم على سبيل المثال نجد أكثر من أربعة مقاهي منتشرة على طول المدينة و بين الأحياء السكنية، إضافة إلى منتجعات محيطة بالمدينة من كل المداخل والجهات وتحت مرآى ومسمع من يهمهم الأمر.
بل الأخطر من ذلك أن بعضها يتواجد بالقرب من الطرق التي تسلكها بعض القاصرات للذهاب إلى الإعداديات أو الثانويات، ليتم استقطابهن بكل سهولة من قبل من يتربص بهن. فعلى الرغم من سماعنا باعتقالات ومداهمات لتلك المنتجعات و ضبط قاصرات مع أشخاص في بعض الأحياء يصنفون في خانة المسئولين، إلا أنه سرعان ما يطال القضية حفظ أو طي و تعود حليمة إلى عادتها القديمة، و كأن من يهمهم الأمر صح عليه قول قائل أنهم لا يتدخلون إلا إذا كان هناك دم (قتلى) تماما كما في حوادث السير.
وفي سياق متصل تناقلت وسائل الإعلام المحلية أخبارا تفيد اعتقال أشخاص في مدينة العيون من بينهم من يعرفون ويلبسون أثواب الفاعلية في المجال الجمعوي بتهم متعددة منها إعداد شقق للدعارة.
مقاهي الانترنيت هي الأخرى كان لها دور وتأثير، خصوصا وأنها تتميز بخاصية تكاد تكون فريدة من نوعها، وهي تهيئة غرف ومخادع للدردشة مكسوة بأثواب لا تسمح بالمشاهدة وتحجب الرؤية لخلق جو ملائم لمن لم يجد مكانا خاصا للإنفراد بمن “كانت من نصيبه” مقابل دراهم معدودة ثمنا للساعات التي قضاها في الإبحار في عالم الرذيلة و الفساد عوض الغوص في عالم الانترنيت. أمر يعزوه بعض أرباب هذه المقاهي إلى ضعف ارتياد الزبناء لهذه المقاهي بفعل انتشار ” الويفي ” في المقاهي وامتلاك الزبناء المفترضين لحواسب شخصية وموديمات 3 جي.

الملحفة من المقدس إلى المدنس
malhfa
تعد “الملحفة” من الألبسة التقليدية التي تزخر بها المنطقة الجنوبية، فالنساء، يحرصن على الالتزام بـها كقيمة من القيم التي تتشبث بها فتيات المنطقة الصحراوية، وكرمز من رموز الثقافة المحلية و الجمال والأناقة الأنوثة للمرأة الصحراوية أياً كان انتماؤها ومستواها التعليمي ومكانتها الاجتماعية. فهي قطعة من الثوب يتراوح ثمنها من 50 درهم ليتجاوز في بعض الأحيان 5000 درهم. لكن في بعض المناطق الأخرى فالملحفة ترتبط بشكل أوتوماتيكي في مخيال الناس بفتيات جميلات مكتنزات يمنحن لمن يصطحبهن اللذة والمتعة لكن بثمن باهظ.
حيث أفرغ هذا الرمز الثقافي من حمولته التراثية و الرمزية التي رسمها أجيال من الصحراويين حتى أوصلوها درجة القداسة، إلى درجة أصبحت فيها بعض ممتهنات الدعارة يلجأن إلى ارتداء الملحفة والتلعثم بقليل من الكلمات الحسانية لجلب من يعانون من “فونتازم” الدعارة الصحراوية ومن هم مولعون بهذا النوع من اللحم البشري وينجذبون إليه فقط من خلال اللباس الخارجي.

متنفسات خارج الصحراء

تلجأ أغلب ممتهنات البغاء بالصحراء إلى مغادرة مدنهن الأصلية تجنبا لافتضاح أمرهن بالنظر إلى إمكانية التعرف عليهن من قبل أي شخص قد تربطه صلة بهن من جهة القبيلة، لذلك يعمدن إلى الذهاب بعيدا عن هذه المدن رفقة “الزبون” إلى المتنفسات البديلة المجاورة كسيدي إفني و مير اللفت و أكادير وأكلو، حيث يتم توفير شقق مفروشة مجهزة بمبالغ مالية قد تصل إلى 500 درهم لليلة الواحدة،هذا بالنسبة لمدينة كلميم ، أما مدينة العيون فالأمر لا يتطلب قطع مسافات طويلة للابتعاد عن المدينة، لأن المطلوب متوفر بشاطئ فم الواد وبالمدينة نفسها.

الخليجيون زبناء فوق العادة

يتوافد بشكل مستمر عشرات الخليجيين من مختلف الجنسيات إلى المدن الصحراوية طلبا للمتعة الجنسية، حيث توضع المناطق الشاطئية رهن إشارتهم كأخفنير وفم الواد ضواحي مدينة العيون، والشبيكة والوطية بالطانطان. والغريب في الأمر انه يتم تسخير كل الإمكانيات التي من شأنها أن تضمن لهم مقاما سعيدا، من وساطة و شقق مجهزة مفروشة و أجواء حميمية و حماية أمنية، بل يتجاوز ذلك كله إلى توفير أجواء من خلال المهرجانات التي تنظم في أوقات تبعث على الكثير من الشكوك على خلاف جميع المهرجانات الوطنية .
فيكفي أن تضع صفرا فوق رأسك ليتهافت عليك الجميع معتقدا أن الأموال ستتقاطر منك، هذا الصفر كذلك يعفيك من المتابعة القانونية إن تم ضبطك متلبسا في حالة ممارسة للرذيلة و لو كان الطرف الثاني قاصرا، فلم نسمع قط أن تمت متابعة مواطن خليجي بتهمة الفساد و إعداد أوكار للدعارة، أقصى ما يسمع هو الإبعاد، وهذا التعامل يمتد إلى جميع أنحاء المغرب فقد تم ضبطهم متلبسين في مراكش و اكاديرو طنجة و غيرها من المدن المغربية و لم نسمع بالأحكام الصادرة في حقهم.

وسيطات بأثواب جمعوية

ترتدي مجموعة ممن يمتهن الوساطة و يعددن بيوتا و شققا لبيع الهوى و المتعة، أثواب العمل الجمعوي و التطوعي و حمل أهداف تنموية للمنطقة، الشيء الذي يسمح لهن بربط علاقات خارجية و جلب وفود و استقبالها بمباركة من المجالس المحلية و السلطات الوصية بل و بدعم منها. مؤخرا تم إصدار مذكرة بحث وطنية حول ناشطة جمعوية كانت تلعب الوساطة و تهيئ الأجواء الحميمية بالعيون بعد أن تم ضبط زبنائها متلبسين مع قاصرات، ولا غرابة في ذلك فنحن نعلم جيدا أن الأسر الصحراوية المحافظة لن تمانع على أن ترافق بناتها امرأة أخرى برزت لهم في ثوب الواعظات الناشدات للتنمية والتي تفرض نوعا من الثقة و الاحترام، فالأسرة لن تمانع أن تسافر ابنتها مثلا برفقتها و إن كان هذا السفر فقط وهما و تصريفا لأنظار الآخرين.
من الواجب في هذا المقام ان نشير أن القول لا يمكن أن يعمم على جميع المشتغلات في الحقل الجمعوي بالصحراء، فقد عرف المجال بروز نساء عرفن بإخلاصهن للمبادئ التي يحملنها و يدافعن عنها و استطعن فرض احترامهن داخل النسيج الجمعوي المحلي و الوطني و رسمن لأنفسهن مكانة متميزة يشهد بها الجميع.
صادراتنا نحو الخليج

يستغل اغلب الوسطاء الفقر و الحاجة إلى تحسين الوضع الاجتماعي لأغلب الفتيات في الصحراء و يغرينهن بالعمل في الخليج و تحقيق الأحلام، فيساهمون في تصدير الدعارة إلى دول الخليج وكأن المنطقة حققت اكتفاء ذاتيا، ويخففون عليهم عناء و مشقة السفر و قطع الكيلومترات لتحقيق الرغبات و النزوات، فتهجر لهم الفتيات الصحراويات بعقود عمل تحت غطاء الحلاقة أو عاملات نظافة أو الاشتغال في المطاعم.
طبيعة التباهي الذي تشهده الأوساط الصحراوية والنفاق الاجتماعي السائد، خاصة في المناسبات، يفرض على أغلب النساء التوفر على ملابس وحلي وأشياء باهظة الثمن كملحفة من النوع الرفيع التي يتجاوز ثمنها في أغلب الأوقات آلاف الدراهم قد يعجز الأهل عن توفيرها و شرائها، ليبقى السبيل الوحيد لبلوغها التعاطي للدعارة و ربط علاقات لضمان السفر و العمل في الخليج.
نتائج الزحف الخليجي

ان المتأمل في ما خلفته لنا زيارة الخليجيين سيكتشف لا محالة نتائج سيئة و مخيفة أحيانا، عندما يسمع بتزايد أعداد المصابين بالسيدا و تصنيف المنطقة ضمن المراتب المتقدمة في عدد المصابين على المستوى الوطني، و ارتفاع عدد المطلقات و تزايد نسبه، وانتشار التفكك الأسري وما خفي أعظم فيما يتعلق بالأمهات العازبات. حيث يمكن تسجيل عدم و جود دور لهذه الفئة بالمنطقة على غرار مدن أخرى، وذلك بفعل تعايش الأسر مع هذا الوضع و عدم الرغبة في التصريح بوجود آم عازبة في صفوفها تفاديا للخزي و العار و عملا بمبدأ أن درأ الفضيحة و تحملها من قبل الأهل أهون من خروجها إلى العلن و تعريض الأسرة و العائلة بل و القبيلة بأكملها للألسن و الإشارات.
حقيقة موضوع الدعارة بالأقاليم الجنوبية، أو دعارة الملحفة،ي ستحق الاهتمام و يسترعي الانتباه، خاصة من المسؤولين الذين يساهمون في تفشي الظاهرة دونما قصد في بعض الأحيان نظرا لغياب الصرامة و التدقيق في بعض الزيارات و بعض الأنشطة التي يقيمها الأجانب بالمنطقة، فكم من نشاط ثقافي كان غلافا لليالي ماجنة، وكم من نشاط رياضي كالصيد مثلا كان سببا في المكوث بال منطقة من أجل استمالة بناتها و إغرائهن و فتح الفرصة للوسيطات في الانتقاء و التغرير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى