المغاربة عنصريون: الشلح مول الحانوت و أشياء أخرى

حقائق24 — مجلة حقائق مغربية

تتعالى الأصوات الحقوقية ببلادنا منذ مدة باستنكار تنامي العنصرية ضد المهاجرين ذوي البشرة السوداء، القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء. لكن هل المهاجرون ذوي البشرة السوداءفقط من يعانون من العنصرية في المغرب حقا؟ يتساءل متتبع. ألسنا عنصريين مع بعضنا البعض أيضا؟ فعاليات منحدرة من منطقة سوس ترى أن بني عرقها لم يسلم بدوره من عنصرية المكون العربي منذ أمد بعيد. بل يتساءل بعضهم “هل يعيش المغاربة سكيزوفرينيا حقيقية حينيستغربون من عنصرية الأجانب لهم بالخارج، ويمارسون في نفس الوقت عنصرية على إخوانهم السوسيين الموجودين بالمغرب”؟ نقاش جديد قديم أثاره الفنان الكوميدي إيكو في وصلته الفكاهيةعلى القناة الثانية حول السوسي مول الحانوت.

 

هل المغاربة فعلا عنصريون؟

 

رغم أن المغرب يقدم نفسه باستمرار كبلد منفتح ومتسامح، صادق على المعاهدات الدولية المناهضة للعنصرية، ويجرم قانونه كل ميز أو تفرقة بين الأشخاص كيفما كانوا، فإن هناك إجماعا بأن بلادنالم تسلم هي الأخرى من هذه الظاهرة. خصوصا وأن سؤال العنصرية في المجتمع المغربي ظل باستمرار مغيبا نتيجة غياب دراسات وأبحاث سوسيولوجية، وكذا كتابات تشتغل على الذات المغربية ورؤيتها للآخر.

دراسة حديثة نشرتها الصحيفة الأمريكية الذائعة الصيت “الواشنطن بوست”، كشفت عن أن أكثرالدول عنصرية هي الدول النامية. حيث جاءت على رأس القائمة كل من الأردن والهند، بينما أكثر الدول تسامحا كانت هي الدول المتقدمة مثل بريطانيا و أمريكا و كندا و استراليا.

الدراسة التي كانت نتيجة مقابلات مع عينات من السكان الذين سئلوا  مثلا إن كانوا يتقبلون جيرانامن عرق آخر أو ديانة أخرى، كما درست عدد الجاليات المختلفة في كل بلد وطريقة عيشها إنكانت مندمجة أو تعيش في مناطق مغلقة، صنفت المغرب والجزائر كدول أقل تسامحا مثلها مثل  فرنسا. فيما سبق وأن كشفت دراسة سويدية حديثة،أنجزها معهد “مسح القيم العالمي”، وهو معهد قياس الرأي العام الدولي، أن من ضمن أكثر البلدان عنصرية في العالم  يوجد المغرب إلى جانب كل من فرنسا، والجزائر، ومالي، وتركيا، وزامبيا.

 

أصول العنصرية ضد السوسيين

 

يقرى الباحث في القضايا الاجتماعية، هشام عابد،أنه “علينا أن نعلم قبل كل شيء أن للعنصرية بالمغرب جذور، وتلك الجذور هي جذور طبيعية موجودة في كل دول العالم لكن بنسب متفاوتهالتأثير والحدة، تتعلق أساسا بطبيعة التكوين القبلي والعرقي ومدى تنوع الروافد المشكلة للأساس البشري في كل دولة على حدى. من هنا نتحدث بالنسبة للمغرب عن دور التكوين القبلي والعرقي للمغرب والمغاربة في وجود هذه العنصرية أو تفسير أسباب هذه التشنجات الموجودة على صعيد السياسة والفكر والاقتصاد والمجتمع”.

إذ يأتي دور “المخزن” باعتباره المسؤول الرسمي والتاريخي على مدى تفشي هذه الظاهرة وانشارهاأو محوها في إطار الدولة الوطنية. ففي التاريخ العميق للمغرب كان بعض السلاطين الحاكمين بالمغرب يعمدون للاستفادة من الصراعات القبلية التي كانت تعرفها القبائل المغربية المختلفة الأصول، فكان دور السلطان ووضعه يتقوى في ظل هذا الوضع حيث يصبح وجوده ضروريا ومؤثرا عبر آلية “التحكيم” التي تضمن له وضعا مريحا في الحكم. وهنا يردف الباحث الجتماعي قائلا: ” لا أدل على هذا الوضع وتلك الفرصة الحقيقية لقوة السلطان المغربي، ما صدر عن السلطان العلوي المولى عبد الله الذي قال قولته الشهيرة “أردت أن أصدم هذا التيس الأسود بهذا الكبش الأبيض” في كناية عن الصراعات القبلية البربرية ومحاولة تفاديها بجعلها تتقاتل مع جيش البخاري وذلك لصالح السلطان ولصالح سيطرته على الكل”.

واليوم، يضيف ذات الباحث “لا تزال تمظهراتالعنصرية حية وقوية وواضحة على صفحات الجرائد وعلى قارعة الطريق وملموسة في جل المناطق التي يمكنك زيارتها… عنصرية تغديهارواسب قديمة لكن بأسباب واقعية ومستمرة الحضور. فأمية الشعب الكبيرة، والبرامج التعليمية التي لا تنتبه لضرورة التركيز على الدور الوطني وترسيخ وتغذية الروح الوطنية الجمعية بغض النظر عن المنطقة والجغرافيا والأصل”.

 

من مظاهر العنصرية ضد السوسيين

 

يعتبر البخل أو “التقرزيز” بلغة الشارع من أبرز الأوصاف القدحية ذات النفحة العنصرية التي يقذف بها أهل سوس. وهذا النوع من العنصرية حسب الباحث المغربي أحمد عصيد “يعكس وعيا شعبيا منحرفا، تشكل خلال مراحل سابقة عن “الشلح مول الحانوت”، باعتباره يرمز لحياة بئيسة عمادها الشحّ والتقتير، وهذه صورة خاطئة مصدرها عدم فهم وضعية التاجر السوسي الصغير، باعتباره، حسب نفس المتحدث دائما، يعمل من أجل موطنه الأصلي الذي تخلت عنه الدولة المركزية”. “فالتاجر السوسي الصغير يجمع المال من أجل عائلته التي تركها عرضة للفقر والنسيان” يقول عصيد، مضيفا أن تجار سوس الصغار، خصوصا الجيل الثاني والثالث، يوجدون اليوم في وضعية أفضل من الجيل الأول التي تشكلت حوله تلك الصورة التي ليست في محلها”.

فاعل محلي من أكادير يضيف أنه “في كل مناسبة أو احتفال يجمع المغاربة بإعلامهم المرئي وفي عدد من البرامج الفكاهية يتجدد مسلسل السخرية من اللهجات المحلية وبالخصوص من اللهجة السوسيةالتي يختزلها أغلب الفكاهيين المغاربة في شخصية ( مول الحانوت). وفي أكثر من مناسبة تجرأ فيها فنانون مغاربة على جرح مشاعر السواسةبإيحاءات دقيقة تصف السوسي بذلك التاجر البخيل والصبور في سبيل الحصول على المال. سخرية من هذا النوع هدفها تكريس الإقصاء في  المجتمع”.

 

الكوميدي إيكو: الشلح مول الحانوت

 

بات من المألوف أن تبث القنوات المغربية إنتاجاتفكاهية ودرامية تكون فيها الصورة النمطية عن أهل سوس وسيلة لإضحاك الآخرين. آخر ما جادت بهقريحة القائمين على قنوات القطب العمومي، سكيتش فكاهي للفنان الكوميدي المراكشي “إيكو”. حيث أثارت الوصلة الفكاهية التي قدمها على القناة الثانية ليلة رأس السنة الجديدة، موجة من الغضب لدى نشطاء ينتمون إلى منطقة سوس على وجه الخصوص. حيث اعتبروا تلك الوصلة بمثابة إساءة تترجم عنصرية مدفونة.

رواد مواقع التواصل الاجتماعي كانوا أشد الممتعضين إلى جانب فعاليات المجتمع المدني مما أقدم عليه الفنان المراكشي الساخر “إيكو”. حيثطالبوه بالاعتذار بعد أن سخر من السوسيينبأغنيته المجسدة لعمل البائع الأمازيغي السوسي، إضافة إلى ترجمته لأغنية سعد المجرد “نتي باغية واحد” باللهجة السوسية، بهدف إضحاك الجمهور.بعض نشطاء الفايسبوك كان أقل حلما مع إيكو، إذ نصحه بعدم السفر “إلى أرض المجد أرض سوس في هذه الأيام وإلا سيتعرض لانتقام من أهلها”.

آخرون يرون أن الفنان المعني يكون بهذا السكيتشالهزلي الذي قدمه بمناسبة رأس السنة الجديدة قد أغلق على نفسه باب المهرجانات التي تقام على أرض سوس، ولن تطأ قدماه مدينة أكادير وتيزنيت أبدا.

كما ألقى رواد الفايسبوك غضبهم ولومهم على القناة الثانية، لسماحها بمثل هذه “السكيتشات”التي تسخر من السوسيين، حسب تعليقاتهم، بل إن بعضهم أعلن صراحة مقاطعة برامج القناة الثانية بشكل نهائي، واصفين إياها بالترويج للعنصرية.

 

إدريس لشكر: مول الحانوت السوسي

 

اتسعت رقعة الجدل داخل حزب الاتحاد الاشتراكي بين تيار الانفتاح والديمقراطية والكاتب الأول للحزب إدريس لشكر، لتجتاح الأصول والأنساب. فبعد أن وصف هذا الأخير، معارضيه أو المطالبين بالحق في الاختلاف بالمثليين والعدميين، جاء الرد سريعا من شقيق القيادي والبرلماني حسن طارق، محمد طارق الذي وصف إدريس لشكر بمول الحانوت السوسي. لما حل إدريس لشكر ضيفا على برنامج 90 دقيقة للإقناع، الذي تبثه قناة ميدي 1 تي في.

هذا الوصف جعل مستوى النقاش يستعر أكثر بين الاتحاديين على صفحات الفايسبوك، لما تم تأويل وصف مول الحانوت السوسي على أنه تلميح مبطن لأصول الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي الأمازيغي. وللإشارة هنا، فإدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي ينحدر من جماعة تاغجيجت في سوس الأقصى، جماعة تنتمي إداريا إلى دائرة بويزكارن إقليم كلميم. إلى هذا الحد توقف الجدل بين الإخوة المتصارعين داخل البيت الاتحادي. إلا أن العديد من النشطاء السياسيين والجمعويين وحتى رواد الفايسبوك العاديين بمنطقة سوس، رأوا في ذلك الوصف استبطانا لنزعة عنصرية تجاه كل سوسي.

المقرئ أبو زيد: مول الحانوت السوسي

 

سبق للقيادي في حزب العدالة والتنمية المغربي المقرئ أبو زيد أن وصف السوسيين بالبخلاء والعرق المعيّن في معرض حديثه عن نكتة في محاضرة ألقاهابالسعودية. نكتة أغضبت الكثير من الفعالياتالسوسية خصوصا والأمازيغية عموما، إلى حد جعل زميله سعد الدين العثماني وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأسبق يخرج عن صمته، ليعبر عن رفضه لكلام أبوزيد، حيث كتب على صفحته بالفيس بوك “لا يمكنني إلا أن أعبر عن رفضي صراحة لكلام أبو زيد خصوصا أني معتز بأمازيغيتي وسوسيتي”.

ليس العثماني وحده من لم ترقه نكتة أبو زيد، بل إن فعاليات أمازيغية أخرى كانت قد هددت بمتابعة القيادي الإسلامي بتهمة التحريض على العنصرية ضد الأمازيغ وضرب التعدد الثقافي واحتقار الشعب المغربي. بيانات تنديدية أصدرتها جمعيات مدنية، وغضب كبير وسط مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، الذين أنشئوا الكثير من الصفحات الفايسبوكية، تنديدا بما أسموه النكتة العنصرية التي استشهد بها أبو زيد في إحدى ندواته بالسعودية.

أترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *