تحقيقات

من بينهم برتغاليون وفرنسيون وإنجليز وملوك علويين “حكايات مشاهير العالم الذين بصموا تاريخ أكادير”

مدينة أكادير، مدينة اختلف المؤرخون حول أصل تأسيسها، كما احتاروا أيضا بشأن أسمائها العشرين التي سميت بها على مدى التاريخ. فمن سانتا كروز إلى أكادير إيغير وأكادير لْعْرْبا وتيكْمي أوكادير لعربا وتيكمي أورومي وغيرها من الأسماء، بقي إسم أكادير. إسم يحمل في ثنايا تاريخه الجلي أو المضمر أسرارا وأخبارا لمشاهير العالم الذين مروا من هنا. في هذه الفسحة، “حقائق مغربية” تفتح نافذة على بعض من تاريخ هذه المدينة، لنسترجع وإياها بعضا من ذكرياتها مع أبرز أولئك المشاهير.

الحكام البرتغاليون لأكادير

من المعروف أن التواجد البرتغالي بمدينة أكادير يرجع إلى القرن الخامس عشر، حيث دفع التطور التجاري والاقتصادي البرتغال إلى مزيد من الاكتشافات الجغرافية. ومن بين المستكشفين البرتغاليين، المغامر جون لوبيز دوسيكيرا، الذي أسس النواة الاولى لمدينة “سانتاكروز”، أي أكادير الحالية، سنة 1505، وهي السنة التي كان يحكم فيها الوطاسيون المغرب. ومنذ ذلك التاريخ إلى غاية سنة 1541. تعاقب على حكم أكادير العديد من الحكام البرتغاليين. وهكذا حكم “جون لوبيز دوسيكيرا” من سنة 1505 إلى سنة 1512، تلاه الحاكم “فرانسيسكو دي كاسترو” خلال الفترة الممتدة ما بين سنتي 1512و1521. ليخلفه “سيمياو كونزاليس داكوسطا” لثلاث سنوات. أما “أنطونيو ليتياو دي كامبوا” فحكم ثلاث سنوات أخرى، ليحل محله “لويس ساكوتو” إلى غاية 1528، وهي السنة التي سيعود فيها “أنطونيو ليتياو” للحكم سنة أخرى. سنة واحدة بدوره هي كل ولاية خلفه “أنطونيو رودريكيز دي بارادا”، الذي أفسح المجال لعودة “سيمياو كونزاليس داكوسطا” ليحكم من سنة 1529 إلى غاية 1533. وهي نفس السنة التي أخذ عنه زمام الحكم ” كيتير دي مونروي”، ليخلفه ما بين سنتي 1534 و1538 الحاكم “لويس دي لوريرو”. غير أن عودة ” كيتير دي مونروي” للحكم مجددا لم تستمر إلا إلى غاية سنة 1541. وهي السنة التي أنهى فيها السعديون الوجود البرتغالي بأكادير بعد سيطرتهم على مراكش سنة 1528.

إنهاء سياسة الاحتراز من ميناء أكادير

في ماي من سنة 1928، قام المغفور له جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، رفقة المقيم الفرنسي “تيودور ستيك” والجنرال “هوري” قائد جهة مراكش والكولونيل “مراتيوش” حاكم دائرة أكادير، بجولة تفقدية لمجموعة من الموانئ المغربية، وعلى رأسها ميناء أكادير. جولة كان الغرض منها إعادة فتح ميناء أكادير في وجه التجارة الخارجية، بعدما كان هذا الميناء من بين الموانئ التي شملها قرار الإغلاق في وجه التجارة الخارجية بمقتضى سياسة الاحتراز التي نهجها المولى إسماعيل. حيث منعت المغرب في عهده تصدير اغلب المواد الفلاحية و الغذائية خاصة الحبوب والزيوت والصوف و المواشي، وفرض رسوما جمركية مرتفعة على الواردات، وأغلق عدة موانئ من بينها ميناء أكادير في وجه التجارة الخارجية، بعد أن وضعت فرنسا قوات عسكرية في الجزيرة الخضراء استعدادا لغزو المغرب، و عبر نابليون بونابرت عن رغبته في احتلال المغرب.

زيارة المقيم العام الفرنسي ليوطي

لأول مرة بعد احتلالها سنة 1913، وبالضبط يوم 23 شتنبر 1916…قام الجنرال ليوطي بزيارة لمدينة أكادير. وكان في استقباله الجنرال “لاموث” حاكم جهة مراكش والقبطان “ديلهوم” رئيس مصالح الاستعلامات العامة وحاكم منطقة أكادير. المقيم العام ليوطي، اجتمع خلال هذه الزيارة بكبار قادة وأعيان القبائل وباشا تيزنيت، لوضع استراتيجية تنسيقية لمواجهة المستجدات آنذاك . وأرسل برقية إلى السلطان محمد الخامس يقول فيها: ” أحيط جلالتكم علما أنني هنا بأكادير، كان لي شرف الوقوف عن كثب على مكانة المخزن لدى الناس. باشا تيزنيت والقياد الرئيسيون بسوس أتوا ليبلغوني ولاءهم لجلالتكم وكذا حرصهم على بذل المجهود في سبيل إحلال النظام والسلم”.

زيارة تشرشل السياحية لأكادير

حملة إشهارية للموقع السياحي لأكادير أطلقت بضع سنوات قبل المؤتمر العالمي لوكالات الأسفار، أتت ثمارها خلال الفترة الممتدة ما بين شهري مارس وأكتوبر من سنة 1959. حيث شهدت مدينة أكادير توافدا منقطع النظير لوفود سياحية تأتي على متن رحلات جوية خاصة كل أسبوع، وفود ينتمون إلى جنسيات مختلفة، خصوصا ألمانيا والنرويج وبريطانيا.
رواج سياحي لم يقتصر فقط على الرحلات الجوية، بل امتد أيضا إلى الرحلات البحرية. حيث شهد مرفأ أكادير تقاطر العديد من البواخر السياحية، من قبيل الأركاديا البريطانية وفيتوريا الإيطالية وغيرهما. تلك البواخر لم تكن تحمل على متنها دوما سياحا عاديين، بل كان لبعضها أيضا شرف الإتيان ببعض الرجالات التي بصمت تاريخ العالم، ومعه تاريخ أكادير أيضا. النموذج هنا كان للباخرة الفاخرة “كريستينا” لقائدها اليوناني أوناسيس، التي كان على متنها رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل وزوجته.

الفنانة أم كلثوم تتضامن مع ضحايا زلزال أكادير

سيدة الطرب العربي، الفنانة المصرية أم كلثوم، كان لها موعد استثنائي مع تاريخ مدينة أكادير. فما إن سمعت بخبر الفاجعة الطبيعية التي شهدتها المدينة، بسبب زلزال سنة 1960، حتى سارعت إلى السفارة المغربية بالعاصمة المصرية القاهرة. وذلك بقصد التضامن مع ضحايا الزلزال الذي ضرب أكادير. أم كلثوم لم تعرب عن تضامنها مع ضحايا الزلزال لا بأغنية أو مقطع موسيقي، ولا بكلمات مواساة وتضامن أسمعتها للسفير المغربي بالقاهرة. بل كان تضامنها تضامنا ماليا بالأساس. حيث تبرعت بمائتين وستين ألف باوند حينها، أيْ ما يعادل 300 مليُون سنتِيم مغربي. هذا الخبر أورده القائم بأعمال السفارة المغربية بالقاهرة سابقًا، محمد بن المفتِي، في معرضِ حديثه عن الصلة الوثيقة بين أمِّ كلثوم والمغرب.

سباق “الفورميلا وان” بأكادير

فعلا إنه من الغريب ما تشهده مدينة أكادير اليوم من ركود على المستوى الرياضي، ووجه الغرابة يتجلى بوضوح إذا ما رجعنا إلى الوراء قليلا في تاريخ المدينة. وبالضبط يومي 26 و27 فبراير 1955.
إذ شهد هذا التاريخ حدثا بارزا بصم تاريخ أكادير. يتعلق الأمر هنا بالسباق العالمي الشهير لسيارات “الفورميلا وان”. حيث شارك في هذا السباق متسابقون مغاربة وأجانب. هذا السباق كان على مضمار طوله كيلومتران و436، وتوزع إلى ثلاثة أصناف هي: صنف السيارات أقل من لتر وصنف من لتر إلى لترين وصنف أكثر من لترين.
دورة سنة 1955 وإن كانت قد شهدت مشاركة بارزة للمتسابق المغربي “الكَلفي”، إلا أنها لم تكن الدورة الوحيدة من هذا السباق العالمي. بل سبق للبطل الإيطالي “كويسيبي فارينا” أن فاز بجائزة أكادير الكبرى سنة 1954 رفقة سيارته الفيراري. فيما فاز البطل الفرنسي “ميلك سباركين” بدورة 1955 رفقة سيارته الفيراري. سيارة الفيراري الشهيرة إلى يومنا هذا في الظفر بجوائز “الفورميلا وان” هي التي منحت الفرنسي “موريس ترانتينيون” الفوز بسباق دورة 1956.

الحسن الثاني وجامعة الدراسات الإفريقية بأكادير

في العاشر من شهر أكتوبر من سنة 1963، زار المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني منطقة سوس، زيارة تاريخية تميزت بإلقائه خطابا ساميا أكد فيه على الأهمية الكبرى التي تتميز بها مدينة أكادير لدى جلالته، خصوصا في ما يتعلق بالموقع الاستراتيجي لهذه المدينة في العلاقات المغربية الإفريقية. ذلك الخطاب الملكي كان خطابا توجيهيا للعلماء في اللقاء التأسيسي لكلية الشريعة بأكادير، وقد قال فيه جلالته: “إن إقليم أكادير من الأقاليم المهمة تاريخيا و حاضرا و مستقبلا…و قد كان طريقا للاتصال مع الدول الإفريقية في الماضي، و علينا أن نذكر هذا الدور التاريخي و نعطي الإقليم ما يستحقه من أهمية…إنني لا أكتفي بإقامة فروع للكليات هنا، بل أرى أن تنشئ الدولة جامعة للدراسات الأفريقية بأكادير، فهذه المدينة بمينائها ومطارها سوف تكون وسيلة لربط الصلة بين جنوب أوروبا وإفريقيا ويجب أن تلعب هذا الدور مع إقليمها الذي يجب أن يجند طاقته لهذه المهمة الخطيرة”.

الحسن الثاني وتنمية العالم القروي بأكادير

بعيد الزلزال الذي دمر مدينة أكادير وما تلاه من أوراش كبرى من أجل إعادة إعمار المدينة، توجه المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني بخطاب إلى ساكنة سوس على وجه الخصوص يوم الخميس 25 فبراير 1965، يدعوهم فيه إلى الاهتمام بالعالم القروي أيضا وليس فقط بمدينة أكادير. حيث قال رحمه الله: “لقد أردت أن أقول لكم يا أهل مدينة أكادير شيئا ذا أهمية بالخصوص لكم وللعمالة…وسأضرب لكم مثلا عن ذلك ربما ستفهمونه جميعا أكثر من غيركم، لأن سكان سوس على علم بوسائل التجارة والبيع والشراء. سأقول لكم أنه إن لم نفكر في الأقاليم وفكرنا في أكادير وحده، فسنكون مثل الذي بنى متجرا مهما ولكن لا يملك رأسمالا لتعميره، فالمتجر هو أكادير ورأسماله هو الإقليم. فإذا نحن صرفنا الملايين على بناء المتجر ولم نجد رأسمالا لتعميره فستذهب تلك الملايين سدى، بل أقول إنه زيادة على خسارة الدولة للملايير التي صرفت، إذا لم نفكر في إنقاذالأقاليم، فستكون كارثة أخرى، وهي أنه عندما تمضي سنوات ونكون قد رجعنا إلى المدينة سنجد أنفسنا أمام عدد من البشر العاطلين كانوا يشتغلون في أكادير، إما في البناء وإما في التجارة. منهم عمال الطرق وعمال الكهرباء وعمال جميع الميادين. عندما نفرغ من بناء أكادير ولم نتجه إلى إصلاح النواحي الأخرى سنجد أنفسنا أمام أكادير الفارغة أمام أياد عاطلة، أمام أكبر مشكل اجتماعي واقتصادي وسياسي”
“حقائق مغربية”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى