الرأي

جولة …في دروب الغش

إن المجتمعات البشرية خاضعة بطبيعتها لتطورات وتغيرات فكرية وثقافية عبر العصور ,ولكل زمن أسلوبه الثقافي والفكري الخاص به ينتهجه معاصروه في سلوكياتهم وتعاملهم ,وهذا الأسلوب غالبا ما تعبر عنه مصطلحات ومواقف خاصة ,ومجتمعنا الحالي تبنى سلوكيات غريبة ترتبت عنها مصطلحات عجيبة منها ” راسي ياراسي” ,”باك صحبي” ,”اللي معندو سيدو عندو للاه ” , “عندو جده فالمعروف” ,”كيكورها لراسو ” تعابير كثيرة تشبه مخلفاتها فيروسات الأنفلونزا ,تغلغلت في المجتمع وأخلت بصحته ,وجعلته يتأرجح بين الاتزان الذي تمليه القيم والأخلاق الدينية.وبين التسيب الذي تمليه الحريات الفردية والجماعية,و بين الاثنين تقبع التنمية الذاتية بجلالها مضيفة إلى سلوكيات المجتمع شعارات خاصة أساسها :” لا تبالوا ولا تضعفوا, كونوا أقوياء وافعلوا ما شئتم , وانظروا دائما إلى الجانب الايجابي من الشيء ,لتعيشوا سعداء‼.”
نظرية جميلة تمنيت تطبيقها والأخذ بها,رغم أن حظي لا يُُمكنني سوى من الجوانب السلبية للأشياء كلما تعذرت علي رؤية الأشياء مكتملة الجمال. وكانت العطلة الصيفية فرصة أخرى كي اخرج من الرتابة واستمتع بالجمال الذي تزخر به بلادي,كيف لا ‼ وبلادي أضحت وجهة كل من يبحث عن المتعة والجمال .
حزمت أمتعتي وانطلقت في رحلتي بعد امتحانات أخر السنة ومباريات ولوج المدارس والمعاهد , الذي أبانت ظروفهما التعيسة عن استمرار تعرضهما للفيروسات السالفة الذكر ,حالة تفسر مدى الإعياء الذي مازالت تعيشه وزارة التعليم . في الحقيقة لا اعلم ما هو الجانب الجميل في هذا الأمر كي استمتع به , لكن سأكتفي بقولي ” الله اعفو”, مهما يكون من أمر ,فا للتعليم فضل كبير علي وأنا لم انتقده إلا لغيرتي عليه .
كعادتي جلست أتناول فطور الصباح , منزوية في أحد أركان حديقة الفندق , ولأن اغلب النزلاء اختاروا الجلوس في الداخل فقد كان المكان شبه فارغ إلا من نادل غريب الأطوار ,كان يذهب ويأتي أمامي داخلا وخارجا من غرفة جانبية للفندق,كان الرجل يكلم نفسه بصوت عالي أثار فضولي ,الشيء الذي دفعني إلى استفساره عن ماهية الأمر.. أجابني للتو وكأنه كان ينتظر سؤالي قائلا”الله ايهدي هدْ الناس ,هالشراب ,هالسرقة”.
رددت بحزم متحمسة لغيرة الرجل:” أما شرب الخمر فالحانة أمامي “الله إِتوب” على الفنادق المغربية من هذا الحرام ,يبررون هذه المعصية بالسياحة ,كأن السياح لا يأتون إلا ليسكروا عندنا ويفسدوا في أرضنا , الأرزاق بيد الله ,ثكلت أم السياحة التي تفقد البلد كرامته..بيد أنني مند أيام لم أرى سوى مغاربة ,ومن ضمنهم مسؤولي الفندق يصولون ويجولون في الحانة, وينهلون من سموم القررورات..”
قاطعني الرجل وهو يخفض صوته “إنهم هم ..هم نفسهم الذين يتصرفون في مرافق الفندق كيف يشاءون, وعلى حساب الشركة طبعا ,يلعبون بالنقود ويرموننا ب”جوج دْريال” قال ذلك و انصرف وهو يهز كتفيه ويتمتم وكاد يصطدم في طريقه إلى غرفة الأكل بخادمة الغرف ,هذه الأخيرة التي كانت تجرفي بطء وكسل مكنسة في يدها ,ذكرتني هيأتها للتو بمجموعة من العاملات صادفتهن في رواق الفندق, يرششن أرضيات الغرف بماء مختلط بشيء من مواد التنظيف , ويزين مظاهر الأشياء في حين تقبع الأوساخ في الأركان وتحت الأسرة .مازلت استحضر ملامحهن وهن يتهامسن ويبتسمن,عندما عاد النادل محملا بأصناف من المأكولات المعلبة متجها بها نحو الغرفة المعلومة ,اختفى فيها للحظات ثم عاد وعلى محياه ابتسامة انتصار, وكأنه عائد من غزو قيصر الروم ,أدركت للتو أن الرجل لم يكن يتحسر على الفاحشة ولا على الغش الذي يجري أمام عينيه ,وإنما كان غضبه على يده القصيرة التي لم تطل ماطلته الأيادي الأخرى ,فالكل هنا يغش و ينهب ويسرق حسب موقعه, وهاهو النادل قد ارتاح وابتسم بعد أن نفد انتقامه وحصل على ما طالت يده . نهضت من مكاني علني أصادف شيئا جميلا ينسيني تلك اللحظات البائسة وتلك الوجوه المشؤومة التي فضلت الغش والسرقة عن القناعة والصبر, وقررت أن اخرج من الفندق, من يدري‼ فربما تكون السعادة المحتملة في الخارج ,شعرت ببعض الحسد وأنا أخترق صفوف الجالسين الذين كانوا يضحكون ويرتشفون كؤوس العصائر والقهوة ويستمتعون بحديقة الفندق ومسبحه ,وينكتون وبعضهم يفتخر ببعض المواقف البطولية التي لا تقل نذالة عما سبق ‼ .
ما إن ابتعدت قليلا عن بوابة الفندق حتى سمعت صوتا من ورائي ,رجلان يتحدثان بصوت مرتفع كل واحد يريد أن يوصل إلى صاحبه خبر نجاحه وإحباطه في نفس الوقت: “اشتغلت في مهرجانات وندوات عديدة والسر في ذلك أنني اقبل بالخصم الذي يحدثه المسؤول على المبلغ المتفق عليه ,فإما أن أعطيه النسبة التي يطلبها ,وإما أن يبحث عن غيري فشعارهم هو “إلا معجبكش الحال سرفحالك” .
أجابه الأخر وهو في قمة الامتعاض:”أنت ماشْفتي والو” تسلمت مؤخرا مناقصة بتكلفة مهمة تكفي لانجاز المشروع على أحسن ما يرام ,لكنني اضطررت إلى توزيع جل المبلغ على الأمرين بالصرف ,لكي اشتغل في النهاية بالباقي بعد أن خصمت منه أجرتي .” ضحك الآخر في سخرية ولم يزد على لفظ “عْلِيهَا” .
مرا الرجلان من أمامي كالبرق ,مبتهجان بالعروض التي يحصلان عليها ومستاءان في نفس الوقت مما تؤول إليه الأمور بعد ذلك .
فهمت من كلامهما أن الأول مصور فوتوغرافي ,والثاني مقاول في البناء,وفهمت من وراء ذلك كله السبب الذي يجعل بعض الفنانين والمثقفين يشتكون من بعض المهرجانات والندوات والتظاهرات .وأدركت لماذا الطرق متلفة ,والمباني منهارة والمصالح منعدمة .ومضيت أتعجب كيف لبعض المسؤولين أن يناموا ويسعدوا بالنوم وقد أخذوا ما ليس من حقهم ,وسرقوا فرحة الفقراء بمصلحة كانت ستعني لهم الكثير, سواء كان ذلك طريق يوصلهم إلى بيوتهم ,أومشفى صغير يعالجون فيه مرضاهم ,أو مدرسة يعلمون فيها أبنائهم, أو.. والأعجب من هذا أن أغلبهم يدعي الإيمان والورع .ولكن فيروسات “كُلْ ووكْل” ,و”دير علش تولي” وغيرها أكلت الرجاحة في عقولهم وجعلتهم يفوتون قول العدالة الإلهية ” ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة”ص.ق
مازلت اقلب الأفكار في دهني عندما سحبتني رائحة أكل شهي انتهت بي عند مدخل مطعم رائع الجمال ,أبدع أصحابه في تزين أبوابه بلافتات لمأكولات لذيذة ,يسيل لها لعاب المارين , انفرجت أسارير وجهي ,وأخيرا وجدت مكانا جميلا استمتع فيه بالأكل والمنظر معا , لم يطل بي الأمر كثيرا في مشاهدة ما حولي من الموائد المصففة بإتقان والستائر المزخرفة المنسدلة على النوافذ , لان النادل كان أسرع مما كنت أتوقع ,أو لعله الحظ العاثر مرة أخرى إذ علقت المضغة الأولى في فمي لحظة أيقد فيها طعمها المقرف جذوة جميع حواسي, قبل أن أرمي بها خارجا في أحد المناديل…يا الهي خيبة أخرى ,نظرت إلى الأكل الموضوع على المائدة والمعلق على الصور, شتان بين هدا وداك ,لا مذاق ولا نضج ولا منظر, ولا نظافة واللحم تنبعث منه رائحة كريهة رغم التوابل التي تغطيه.
التفت إلى الجالسين ورايتهم ينظرون إلى بعضهم ,لا شك أنهم أحبطوا في تصوراتهم كما هو الأمر بالنسبة لي, وقلت لهم في نفسي ” عيب لا تتذمروا ولا تحتجوا ,انظروا فقط إلي الجانب الجميل من الأمر, أي إلى الستائر و الأفرشة والصور المعلقة على الجدران …وابتسامة النادل عندما يقدم إليكم فاتورة الأكل قائلا- بالصحة والراحة- وذلك كله حتى تحافظوا على أنفسكم من التوتر الذي قد يعكر مزاجكم ‼
لم تقف رحلتي عند هذه اللحظات ,ولا عند هذه المحطات , وبالقدر الذي كنت أبحث به عن الجوانب الجميلة من الأشياء كانت الجوانب السلبية منه تطاردني . واكتشفت وانأ أجول في دروب الغش أن هدا الأخير لا يقتصر فقط على بعض المؤسسات وعلى بعض الفنادق و المقاهي . ولا حتى على بعض المسؤولين و الحرفيين والصناع وبعض رجال التعليم ورجال الصحة وبعض المراكز التربوية ,بل أكاد أراه في كل مكان وفي كل شيء ,حتى في العلاقات الاجتماعية والأسرية .. ففي كل شيء وفي كل مكان نجد بؤرة أو خلية خبيثة دورها تلويت جمالية الأشياء وتهديد أمن وثقة الناس في بعضهم و في مجتمعهم,ونجد إثر هذا الداء أناسا نجحوا واشتغلوا بدون كفاءات, وتلقوا علاجات, وفلتوا من عقوبات, ورخص لهم البناء في أماكن محظورة ,وأعفوا من ضرائب مفروضة…وعوض أن يفضح الغشاش ,ويقطع دابر الغش سار الآخرون على الدرب ,فغش الكل على طريقته .
إن الغش يسمى غشا كيف ما كان نوعه ودرجته ,فمن غش ليستولي على بقرة كمن غش ليستولي على دجاجة “ليست من حقه ” ,ومن المؤسف أن الغشاش في بلادنا قليلا ما يسقط في يد العدالة , وعادة لا يسقط حتى يخل بقوانين مسبقة في دائرة الغش . ومهما يكون من أمر فقد أصبح الغش ظاهرة اجتماعية ,تحكمها شعارات فارغة ,جعلت الناس تتوق إلى الزمن الجميل ,زمن النية الحسنة والثقة و البركة ,زمن منهجه “اعقلها وتوكل” ,و”من غشنا فليس منا “, و”صفي واشرب “, مجتمع لا يُبحث فيه عن الجانب الجميل من الأشياء, لأن الأشياء ستشكل الجمال بعينيه ,جمال يسري سحره في النفوس والقلوب فيُحيها ,ويُعيد إليها الإيمان والثقة والأمن .
بقلم نزهة العمراني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى