تحقيقات

الوشم موضة شبابية باكادير و أغلبهم ممن يلهثون وراء الموضة

“رسوم واشارات زرقاء وسوداء فوق أيدي ووجوه نساء ورجال شباب و شابات، تحمل رموزا ودلالات ختلفة الشكل، تكشف عن معانيها ودلالاتها وكينونة تنفيذها وألوانها والادوات المستعملة في رسمها فوق الجلد بهذا الشكل الذي لاتزول معه ولا تختفي أو تفقد الوانها مع مرور الزمن” تظهر على الموشومين والموشومات.
وبعيدا عن العنصر التزييني، يدخل الوشم ضمن آداب السلوك الإجتماعي، فهو ظاهرة سيميوطيقية مرتبط بالجسد الموشوم بحياته، ويموت بموته ، ويشكل الوشم أيضا جسرا للربط بين ما هو روحي ومادي في الجسد ذاته. فالوشم في الريف غالبا ما يوضع على الجسد بشكل أفقي مقسما الجسم إلى جزئين، شق روحي يضم القلب وآخر مادي يمثل الحياة بكل تجلياتها، فيتم الربط بينهما بواسطة رموز وأشكال إعتادت النساء الأمازيغيات توظيفه في إبراز المكونات الجمالية الإبداعية والفنية في الوسائل والأشياء المستعملة لديهن في الحياة اليومية العادية من زرابي وأواني خزفية وخشبية وطلاء الجدران والنقش على الفضة.. مستفدين من إرثهم الحضاري العريق المتمثل في حروف تيفيناغ ذات الأشكال المتعددة والملامح الجمالية الأخاذة إلى درجة جعلت غير الأمازيغيين يلجأون إليها خاصة عند الذين يعتقدون أن الخط العربي خط مقدس وأن الوشم به تدنيس له .
وليس غريبا ولا صدفة أن إقصاء الأمازيغية كان دائما مسبوقا أو مصحوبا بإقصاء القيم الأنثوية، كما هو الحال لظاهرة الوشم التي هي ثقافة أنثوية بإمتياز، لقد حورب الوشم بشتى الوسائل والفتاوي الشرقانية إلى أن إختفت ممارسته نهائيا.
والمستهدف من وراء تحريم الوشم ومحاربته هو المرأة الأمازيغية والثقافة الأمازيغية التي تعبر وتحافظ عنها هذه المرأة .

شهادات ناطقة

يحكي عمر-53 سنة- و هو أحد الموشومين لـ”حقائق مغربية” ” أن الوشم ينزل في الجلد بواسطة أصباغ خاصة وبالإبر التي تدفع باللون داخل مساحات الجلد، ليتحول الى جزء لا يتجزأ منه، وعملية إزالته تتم بالطريقة نفسها. و يجب سحب اللون من المسامات بالابر، وما يرافق ذلك من متاعب وعذاب مضن لصاحب الوشم الذي عليه أن يتألم كثيراً مثل أن يتم إزالته، قبل انتشار التخدير وشيوعه الذي أصبح ملازماً للعمليات الموجعة والمؤلمة التي تجري للانسان.
بالطبع تطورت عملية تنفيذ الوشم اليوم، يحكي عمر، فأصبحت هناك وسائل جديدة ودقيقة تعمل على الكهرباء، وتستخدم اصباغاً جديدة، وهي اقل ألما توفر إمكانات كبيرة لجعل جسد الانسان بكامله، لوحة زاخرة بالاشكال والرموز والشخوص وحتى المناظر الطبيعية والازاهير والفواكه، حسب ميول الشخص وهوايته، و أحياناً تأخذ صورة الجيدية بكامل مقوماتها، طريقها إلى هذا الجزء أو ذاك من جسد العاشق، لتبقى قريبة من القلب والعين!!
وأضاف متحدثنا ، أن تاريخ فن الوشم يعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام فقد عثر على رجل من العصر الجليدي «يعتقد انه يبلغ من العمر 5300 عام، في النمسا وخلف إحدى ركبتيه وجد وشماً على هيئة صليب صغير، كما مارس قدماء المصريين فن الرسم على الجسد بين عامي 2000 و4000 قبل الميلاد، وانتشر كذلك في الصين واليابان في نفس الوقت، وفي العام 1100 قبل الميلاد، انتقل هذا الفن من اليابان إلى الفلبين وقرموزا وجزر الباسفيك ونيوزلندا.

وللسجناء فيما يعشقون أوشام

إبراهيم أحد السجناء السابقين في سجن إنزكان روى لـ”حقائق مغربية” كيف استقبل لحمه هذا الوشم، يقول السجين عبد الله” أحسست بألم شديد كان يرافق عملية التنفيذ هذه، لكن هذا لا يعني، ذلك أن الألم غاب كلياً عن عملية إنزال الوشم في الجلد، إذ نُفذ دونما تخدير، خاصة اذا علمنا ان اختصاصي الوشم يقوم أثناء تنفيذه بنقر أبر في الجلد بمعدل ثلاثة آلاف مرة في الدقيقة الواحدة، فيما كان صديقي وهو سجين آخر من داخل السجن يعمد إلى حقن” دقيق عود الثقاب” في الأدمة، وهي طبقة الجلد الوسطى، إذ أنه من غير المجدي حقن الوشم في البشرة التي تتألف من خلايا ميتة، تتقشر بمعدل واحد على مليون كل أربعين دقيقة حسبما ما يحكيه العارفون، بذلك فان أي وشم يحقن في البشرة سيزول بسرعة وهذا ما يدفعهم لإنزاله في الأدمة.

زبناء باضطرابات سلوكية ومشكلات نفسية

في زيارتنا لأحدى المقاهي على كورنيش مدينة أكادير حيث بلغنا أن تمت شباب و شابات مهوسين و مهوسات بالظاهرة إلى حد الجنون، بعد أن تفشت في أوساطهم و أوساطهن بشكل مريب و أضحت تتطور بصورة تتلاءم مع الموضة والأزياء، كما امتدت أهمية الوشم عند البعض ليصبح رباط غليظ بين المحبين يشبه رباط الزواج، حيث يكتب المحب اسم حبيبه وأحيانا يرسم صورتها على جسده كدلالة على حبه لها وولهه بها، خاصة وأن ما كتبه ورسمه يصعب إزالته إلى بماء النار أو بإجراء عملية بالغة الخطورة.ويعتمد الوشم حسب من تحدثوا إلينا بعد طول إلحاح ،على أنه يتم استعمال الإبر لإدخال مادة من الحبر تحت الجلد لكتابة رموز وكلمات أو رسم رسومات ذات دلالات خاصة بصاحبها وهي التي تمثل اتجاها معينا خاصة ضمن الصنف “الجنتلماني”، فيما تسير نوال إلى القول “إنها تقترن بموضة الطاي باس”.
تقول نهى إحدى المختصات على عمل الوشم بمركز تجميل في المدينة ” الوشم معروف منذ آلاف السنين حيث استخدمته الشعوب القديمة، وكان يستخدم كتعويذه ضد الموت في الديانات الوثنية وضد الروح الشريرة وللحماية من السحر، بينما استخدمه العرب كعلاج يمنع الحسد بين القبائل، وكذلك للزينة والتجميل “…. وتُعَرف نهى الوشم بأنه ثقوب يتم تحديد مكانها في الجسم بقلم دوار في مقدمته إبره تحمل الصبغة إلى الجزء المخصص في الجلد والمراد الرسم عليه، وهذه العملية تتطلب دقة متناهية وتستغرق من ساعة إلى ساعتين تقريبا حسب مهارة الواشم.
وتضيف نهى ” هناك أنواع عديدة من رسومات الوشم أغلبها رسومات من الطبيعة، فالبعض يختار الرسومات التي تعبر عن القوة والصلابة، وأحيانا القوة الشخصية مثل رسومات الجماجم والأفاعي وغيرها، والبعض وهم كثيرون يختارون الرسومات التي تعبر عن الحب الجارف أو العرفان بالجميل لشخص بعينه، وبعضهم من يقلد مشاهير النجوم في رسوماتهم المجنونة سواء كانت من فروع الشجر أو الورود في مناطق ظاهرة من الجسد “.
وعن أعمار زبائنها وجنسهم، تقول نهى ” الشباب من الجنسين يقبلون على دق الوشم وإن كان الذكور أكثر من الفتيات، كما أن الكتف أكثر أماكن الجسد التي يوشم فيها وأحيانا البطن والصدر، وتتراوح أعمار زبائننا من 14 إلى 35 سنة، أغلبهم من الطبقة الغنية بالمجتمع ممن يلهثون وراء الموضة”.
وأوضحت نهى، أن الموضة المنتشرة الآن بين الشباب من الجنسين هي رسومات الحب الجارف وكتابة أسماء الحبيب للتأكيد على الارتباط الأبدي ، فالوشم لايمكن إزالته إلا بماء النار أو من خلال عملية جراحية يتم فيها إزالته باستخدام الليزر و سجلت المتحدثة أن “غالبية الأشخاص الذين يقدمون على الوشم مصابون باضطرابات سلوكية وانحرافات ومشكلات نفسية” على حد قولها.

الوشم لدى إيمازيغن

يعتبر الوشم تقليدا طقوسيا عريقا وموغلا في الثقافة الأمازيغية، وغالبا ما يرتبط بالنظام القيمي أو الثقافي لدى المجتمع الأمازيغي الذي مارسه، أو بتقاليده ومعتقداته وديانته، فالإنسان الأمازيغي كان يعيش في عالم من الرموز والعلامات والقوانين التي يقصد بها التأكيد على انتماءه إلى هويته الأمازيغية فهو إذن، أسلوب ذو مضمون ثقافي أو ديني أو إجتماعي له علاقة وثيقة بالتفكير الأسطوري أو الفلكلوري كما يمكن أن يكون ذا مضمون جنسي، خاصة عند المرأة الأمازيغية التي تتزين بالوشم في غياب المساحيق الملونة قصد التمييز على الرجل ، و الوشم عبر العصور برموزه وأشكاله وخطوطه من بين أهم وسائل الزينة وتجلياتها القارة والدائمة على أجزاء معينة من جسد المرأة خاصة الوجه واليدين والرجلين.
ويكتسي الوشم في ظاهره وباطنه دلالات عديدة وعميقة، فهو يأخذ من جسم الإنسان فضاء للتدوين والكتابة ولوحة للرسم والخط تقول الشاعرة الأمازيغية في هذا الصدد:أسيدي عزيزي إينو، راجايي أذكنفيغ ، ثيريت إينو ثهرش، ذ تيكاز إيذين ؤريغ

الشاعرة هنا، مقبلة على الزواج، ترجو وتلتمس من أسرة عمها حيث يوجد العريس، أن ينتظروا ويتريثوا قليلا حتى تبرأ وتلتئم الجروح التي خلفها وخز الوشم في عنقها.
يأخذ البيت الشعري هنا تيمات متعددة يبرز فيها الجسد فضاءا للإبداع والكتابة، وجعله لوحة تنطق بالجمال والحسن الذي تؤثثه وتزينه الرموز الملونة المختلفة الألوان والأشكال والدلالات على جسد مقبل على الزواج.
المرأة الواشم مبدعة تكتب لتضع لذة النص ـ أو الرمز ـ المكتوب بيد المتلقي ذكرا أو أنثى لاكتشاف نهايات الجسد الأنثوي الاشتهائية، ينتقل عبرها الجسم من نظام الأيقونة إلى الجسم اللاهوتي .
ومن المعروف لدى الأمازيغ حسبما حكته لنا السيدة حليمة تقطن أكادير “أن الوشم من أدوات الزينة الضرورية لأية فتاة ناضجة متزوجة، وفي هذا نجد أن “الوشم في عند النساء اعلان عن مرحلة النضج والاستعداد لاستقبال الرجل والاناطة بوظيفة الزواج” ، بحيث يصبح الوشم بالنسبة للمرأة الأمازيغية…بوابة عبور لسن الرشد ومعه بوادر الزواج وهو في هذه الحالة يكتسي بعدا استطيقيا ويصبح مظهرا جماليا تود من خلاله المرأة الشابة ابراز مفاتنها، واعلان نضج انوثتها، فيصبح الوشم خطابا وعلامة سميولوجية تستهدف الآخر\ المشاهد، يقول الشاعر في هذا المعنى:”مــامــا” أثان يكين، ثيكاز سادو وابر، ثاكيثنت إيوحبيب، أرياز أتيقابر .

دلالات جمالية وتيمات سادية

يكتسي الوشم دلالات جمالية تعتمد النظر والبصر، يأخذ الوشم تيمات أخرى، وقد اختلف في تحديد أبعاد ذلك، فهناك من يعطي للمسألة بعدا نفسيا أقرب إلى السادية خاصة لدى المرأة، حيث يفسر ذلك بالرغبة في إطفاء الغريزة المتوقدة فيها، فيتم تعذيب الجسد عن طريق الوخز وما يرافق ذلك من آلم روحي ونفسي قد يترتب عنه النفور والإستنكاف من نداء الغريزة خاصة لما يتم الوشم في مواضع معينة من جسد المرأة كالفخذين والصدر فهي مواضيع جسدية مستورة لكن هذا الوشم لا يحافظ على دوره الزجري بل يصبح إغراء وإثارة جنسية ونداء للطرف الأخر.

وربما هذا ما أثار الشاعر الأمازيغي في البيت الشعري الاتي حيث أراد أن يظهر إهتمامه بفتاة وشمت فخذيها قائلا:
أغانيم أغانيم، يكامن فوذ ذكفوذ
أقام ثنغيذاي أم ثيكاز ؤفوذ

الشاعر يوضح ويشي بمدى نضج محبوبته، التي شبه نموها بنمو “انيم” عيدان القصب، والتي تنمو كما تنمو الأفخاذ في الجسم البشري، وما أيقض شهوته أكثر ذلك الوشم الذي وشمت به تلك الفتاة فخذها. إن الوشم في هذا الازري يخص الجانب التزييني الموظف للإغراء وإيقاض الشهوة وجلب الجنس الآخر وجذب إنتباهه وإستحسانه.
الوشم ينتمي إلى المقدس، فهو كالكتابة عند المرأة تجعله قناعا لتمارس منظومتها الإغرائية فهو لباس داخلي تخيطه الأنثى الواشمة لتخالف به اللباس الذي غالبا ما يكون الرجل من بين مصمميه، وقد يُعتم الوشم على المتلقي رؤية ما يحيط بجسد الأنثى. يلعب دور المغناطيس الذي يحجب الجسد الحمدلي عن الانتهاك، فالاستعراض الجنسي محمي بالوشم وهذا الدور تقوم به “الخميسه” التي تُعطل بلاغة النص الأنثوي وتنظم فوضى الدلالات وتنفتح غائبة أمام العين الثالثة (الرجل) لتصبح “لخميسه” ذات دلالة وواسطة للإغراء والإثارة والاشتهاء لا يتعطل مفعولها السحري إلا إذا كانت العين الثالثة تحقق لمجمل وشم الجسد هويته وبذلك يأخذ شكله، استهلاكه من المتلقي/الزوج أو المتلقي/ العشيق،إضافة إلى العنصر الإغرائي، إذ نجد الدلالات الجمالية حاضرة بقوة.
وفي جانب آخر، نجد أن المرأة الأمازيغية تتحمل أنواع مختلفة من الآلام الذاتية والمعنوية والجسدية في سبيل إرضاء الطرف الآخر الا وهو الرجل، وفي وسعنا الإفتراض بأن ابتكار الوشم والرموز المستعملة فيه قد جاء بالإرتباط مع إكتساب الإنسان الوعي بعدم إكتماله ومن ثمة فإن الوشم يكون وسيلة للإقتراب من الكمال ويتعلق الأمر بتحقيق التوازن بين الوعي واللاوعي.. وفي منطقة الريف توشم الفتاة عندما تبلغ سن الرشد دلالة على كمالها أو إكتمالها جمالا وقدرتها على تحمل أعباء الحياة الزوجية كما تحملت الآم الوخز .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى