تحقيقات

الأراضي السلالية…. القنبلة الموقوتة

حقائق24

لا يكاد يمر أسبوع دون أن نسمع أو نقرأ عن تظاهرة أو بيان يخص الأراضي الجماعية أو الأراضي السلالية في المغرب، ففي السنوات الأخيرة بدأت تظهر على السطح مشاكل هذه الأراضي التي تشكل قنبلة اجتماعية موقوتة يمكن أن تنفجر في وجه الدولة في أي وقت. فتجليات وتمظهرات حالة التوتر والقلق الاجتماعي تنامت في الفترة الأخيرة ولم تعد محصورة في مناطق منسية، وإنما باتت تتصدر أخبارها وسائل الإعلام، وطرحت لأول مرة في برنامج تلفزي مباشر على قناة “ميدي 1 تي في” الرسمية. كما وصل صدى الاحتجاجات إلى شارع محمد الخامس بالرباط أمام مقر البرلمان المغربي.
يحاول ها التحقيق، أن يقف على الجوانب الخفية وراء “الاستحواذ” على هذه الأراضي، والمآسي الانسانية التي تترتب عن ظلم ذوي الحقوق، وأبعد من ذلك يحاول أن يبحث عن الجزء غير الظاهر من جبل الثلج، أي الفساد الإداري والسياسي الذي يحمي ويستفيد من استمرار هذا الحيف الذي بدأت أصوات حقوقية ترتفع للمطالبة برفعه قبل فوات الأوان.

ربيع الأراضي السلالية

عندما كانت تتظاهر نساء قرويات في مناطق نائية ومنسية للمطالبة بحقهن في الأراضي التي ورثناها عن آبائهن وأجدادهن، غالبا ما كان الإعلام يتعاطى مع مطالبهن كقضايا اجتماعية يتم نشرها في ركن المجتمع على صفحات داخلية مخفية، أما الإعلام الرسمي فكان بكل بساطة يتجاهل احتجاجاتهن. فما الذي تغير حتى بدأت الحركة الاحتجاجية لذوي حقوق الأراضي الجماعية تجلب إليها اهتمام الإعلام، ومتابعة الحركة الحقوقية في المغرب وخارجه؟
لقد أدت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المغرب، إلى تراكم العديد من المشاكل التي باتت تهدد باحتقان اجتماعي ينذر بالانفجار في كل وقت، وجاءت رياح “الربيع العربي” لترفع حاجز الخوف لتنفجر الاحتجاجات التي كانت مكبوتة منذ عدة عقود هي تاريخ مأساة ما يسمى بـ “الأراضي الجماعية”.

أصل المشكل

تعتبر الأراضي السلالية أراضي في ملكية الجماعة لذلك يطلق عليها أيضا إسم أراضي الجموع. وأراضي الجموع، هي تلك الأراضي المعروفة بأرض “الجماعة”، السلالية، العرشية؛ التي ترجع ملكيتها للقبيلة وليس للفرد، كان يتم استغلالها والانتفاع منها عن طريق تنظيم “الجماعة” كأداة تنظيمية مؤطرة دخل القبيلة لفائدة العائلات المكونة لها وفقا لمنطق متكون من تقاليد وأعراف خاصة بها، قبل أن تتدخل الدولة في تدبير شؤون هذا النوع من الأراضي بخلق جهاز تابع لوزارة الداخلية، أصبح هو الوصي عليها بدل “الجماعة” مع صدور الظهير المنظم لأراضي الجموع عام 1965.
وحسب آخر إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية، يقدر عدد الجماعات السلالية بما يناهز 4 آلاف و563 جماعة موزعة على 55 عمالة وإقليم٬ وتقدر المساحة الإجمالية للرصيد العقاري الجماعي بـ 15 مليون هكتار٬ تشكل الأراضي الرعوية نسبة تفوق 85 في المائة منها٬ تستغل بصفة جماعية من طرف ذوي الحقوق٬ فيما توظف أهم المساحات الباقية في النشاط الفلاحي. لكن في السنوات الأخيرة ومع التمدد العمراني للمدن أصبح بعضها ضمن المدار الحضري مما أدى إلى رفع قيمتها العقارية والمالية، وبعضها الآخر عبارة عن أراضي سقوية، وكذلك مقالع أحجار ورمال وغيرها.
لكن المفارقة أن تنظيم استغلال هذه الأراضي يخضع لقانون يعود إلى الفترة الاستعمارية، مؤطر بظهير 27 أبريل 1917 وتم تعديل بعض مواده سنة 1965 لكن هذه التعديلات رغم قدمها فهي لم تمس جوهره.
مشكل هذه الأراضي كان قائما منذ أن وجدت، وهناك اليوم المآت من القضايا المعروضة أمام محاكم المملكة المغربية تخص النزاعات حول توزيع أو الاستفادة من هذه الأراضي. أكثر من ذلك باتت بعض النزاعات في الكثير من الحالات عائقا أمام الاستثمار الشئ الذي ينعكس مباشرة على التنمية في المناطق التي تعاني من مثل هذه النزاعات.
المشكل كما يقول خبراء قانونيون يعود إلى الفراغات الموجودة في القانون مما يجعلها معرضة للنهب والاستغلال. وهو ما يطرح السؤال حول استمرار خضوع هذه الأراضي لآلية قانونية قديمة لم تعد تنسجم والتحولات الاجتماعية العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي.
إن الجواب عن مثل هذا السؤال، هو المدخل الأساسي الذي قد يجرنا إلى الوقوف على الرهانات الأساسية الأخرى التي تحول دون رفع وزارة الداخلية، بوصفها الوزارة الوصية حسب ظهير 1917، يدها عن هذه الاراضي. وأول مرة طرحت الدولة جديا موضوع هذه الأراضي، كان ذلك عام 1995 من خلال مناظرة وطنية صدرت عنها عدة توصيات مازالت حبيسة الرفوف.
لقد كانت للمستعمر استراتيجيته الخاصة من وراء وضع هذا القانون لإحكام قبضته على موارد البلاد وخيراتها، لكن ما الذي يجعل الدولة المغربية المستقلة طيلة خمسة عقود تستمر في نفس الحيف والظلم الذي يحول دون إمكانات استغلال أو استثمار هذه الأراضي لفائدة مالكيها الفعليين، وبالتالي يحرم مناطق بكامها من حقها في التنمية ويحرم سكانها من الحق في حياة كريمة على أرض أجدادهم؟
إن الأمر يتعلق بوعاء عقاري يذر أموالا لاتعد ولاتحصى سواء من خلال الإستغلال أو من خلال البيع والكراء والاستثمار في هذه الأراضي، وهذه الأموال، عدا كونها مستحقة لذوي الحقوق الذين لايستفيدون منها، لايعرف كيف أو أين تصرف، بما أنها تذهب إلى ما بات الإعلام يطلق عليه “الصناديق السوداء” لوزارة الداخلية والأجهزة التابعة لها. فحتى الآن ليست هناك أيه آلية شفافة وواضحة توضح وضعية الصندوق الذي توضع فيها تلك الأموال، ولاقيمتها، وأبعد من ذلك وطريقة التصرف فيها.
فبعد مرور أزيد من خمسة عقود على تحرر المغرب من السياسة الاستعمارية، ما زال نفس السؤال يفرض نفسه: من يملك الأرض بالمغرب بعد إخراج مجموعة من التشريعات والقوانين السابق ذكرها، وكذلك بعدما عاد المعمرون من حيث أتوا تاركين وراءهم أراضي شاسعة وخصبة تم استصلاحها وتحديث القطاع الزراعي بها؟

بداية الاعتراف

لقد كان موضوع الأراضي السلالية مثل “الطابو”، وبالتالي كانت المعلومات المتوفرة حوله شحيحة، فالأمر يتعلق بثروة مهمة المعلومة تلعب فيها دورا أساسيا في تدبيرها والتصرف فيها. لكن مع الضغط الشعبي المتنامي من خلال الاحتجاجات اضطرت الوزارة الوصية إلى إطلاق أول موقع الكتروني خاص بالجماعات السلالية والأراضي الجماعية، أنجزته مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية.
ويتضمن هذا الموقع مجموعة من المعلومات التي تهم التعريف بالجماعات السلالية والأراضي الجماعية٬ وإطارها القانوني والنصوص التنظيمية الخاصة بتسييرها٬ بالإضافة إلى التعريف بالمؤسسات المكلفة بممارسة الوصاية على هذه الأراضي٬ وكذا المحاور الرئيسية لتدخل مصالح الوصاية.
وحسب وزير الداخلية٬ امحند العنصر٬ فإن إطلاق هذا الموقع يأتي تفعيلا لمبدأ الحق في الوصول إلى المعلومة الذي كرسه الدستور الجديد، كما يهدف أيضا إلى “تمكين المديرية من القيام بمهامهما على الوجه الأكمل في أفق إدماج الجماعات السلالية في مسلسل التنمية وتثمين أمثل للعقارات الجماعية والحفاظ عليها”.
والموقع كما يتضح لمتصفحه يتضمن قاعدة للمعلومات شاملة ومحينة في مجال تدبير أراضي الجموع٬ كما يوفر خرائط موضوعاتية وإحصائيات “تساهم في ترشيد عملية اتخاذ القرار وضمان نزاهة مختلف المراحل التي تمر بها الإجراءات”، على حد قول الوزير.
وأثناء تقديم هذا الموقع من طرف مصالح وزارة الداخلية، أعلن أن إنجازه يدخل في إطار اعتماد التخطيط الاستراتيجي٬ وتحديد أهداف واضحة لتدبير الجماعات السلالية والأراضي الجماعية لإدماجها في مسلسل التنمية البشرية.

الفتنة نائمة…

أراضي الجموع تتوفر لها الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي ترشحها للانفجار في أي لحظة، والتحول إلى فتنة مناطقية قد يتعذر التكهن بعواقبها، انطلاقا من أن كثيرا من المرتكزات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي قامت عليها بنية هذه الأراضي ودورها قد انهارت واضمحلت وتلاشت في ظل سيرورة التغيرات التي شهدها المغرب خلال الحماية وما بعد الاستقلال، وهي تغيرات ساهمت في انحلال كثير من المقومات الجماعية للكيانات القبلية، نتيجة تفكك وتفسخ الروابط الجماعية ونتيجة التحول المتزايد نحو الاستقرار وتغير الضرورات الطبيعية، وتراجع الكثير من المفاهيم والقيم القبلية وضعف الروح الجماعية، الأمر الذي نشأت معه أوضاع جديدة لم تعد فيه علاقات الإنتاج القديمة ذات الطابع الجماعي والبدائي قادرة على مواكبة تحولاتها ومواجهة تحدياتها مع اتساع وازدهار معالم الملكية الخاصة والقيم الليبرالية الشرسة التي عملت على تضييق الخناق أمام نطاق الملكية الجماعية وتمثلاتها الاجتماعية والثقافية.
وفي الواقع فإن جهة الوصاية ساهمت، عن قصد أو غير قصد، في تكريس وترسيخ كثير من الظواهر السلطوية والاجتماعية ومظاهر السيبة التي كانت سائدة، وراهنت على الغموض والالتباس والفوضى والتردد في مواجهة تداعيات أراضي الجموع والحسم في إشكالياتها بجدية وحزم ومسؤولية، وراكمت بذلك أخطاء جسيمة جعلت اليوم من هذه الأراضي حقل ألغام موقوتة…

قضية حقوقية وقضية رأي عام

ومع اتساع حركات الاحتجاج وارتفاع أصوات المظلومين من نساء ورجال، تحولت قضية الأراضي السلالية وأراضي الجموع في السنوات الأخيرة إلى قضية حقوقية تبنتها الكثير من الجمعيات الحقوقية. وهناك اليوم أكثر من لجنة حقوقية تنشط في المناطق التي تعيش مشاكل مرتبطة بقضايا الأراضي السلالية لدعم نضالات ذوي الحقوق ومن بين هؤلاء من دخلوا في اعتصامات مفتوحة مثل “معتصم الكرامة” لآيت عسو بتاهلة، إقليم تازة الذي انضمت إلى مؤازرته عدة هيئات سياسية وجمعوية وحقوقية، ومعتصم “إيميضر” الذي تحول إلى قضية وطنية تناولته كبريات وسائل الإعلام العالمية.
وفي الفترة الأخيرة تشكلت اللجنة الوطنية للدفاع عن الأراضي الجماعية السلالية بالمغرب المنضوية تحت لواء الجمعية المغربية للإصلاح والإنصاف الإجتماعي، التي تضع على رأس مبادئها “التصدي لكل أشكال الفساد المالي والاقتصادي وما يرتبط به من خروقات تتعلق بالنهب والتسلط على الأراضي الجماعية السلالية والأراضي المسترجعة والأراضي التابعة للأملاك المخزنية والآحباس. وفي إطار التزاماتها المبدئية وميثاقها التأسيسي المنعقد بتاريخ 5 أكتوبر 2011 تقوم اللجنة برصد الخروقات ومواجهتها لدى المصالح ذات الصلة، وتتبني ملفات وقضايا نهب الأراضي الجماعية السلالية أو بما يسمى بأراضي الجموع أو أراضي العرشية.

أي تنظيم جديد يؤطر الأراضي السلالية؟

ظهر تنظيم جديد يطلق على نفسه إسم تنسيقيات السكان الاصليين، نظم يوم 9 ديسمبر، بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الانسان (10 ديسمبر) وقفة امام البرلمان بالرباط للتنديد بما أسمته التنسيقيات بـ “سياسات نهب الأراضي و الثروات الطبيعية والمعدنية وتدمير المحيط البيئي وتكريس سياسة الميز و لتفضيل بين الجهات والجماعات والأفراد في كل مناطق المغرب”، وطالب بيان صادر عن المحتجين، توصلت “حقائق مغربية” بنسخة منه الدولة المغربية باحترام العهود والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق “الشعوب الأصلية” في التصرف الحر في أراضيهم وثرواتهم و مواردهم الطبيعية واحترام حقهم في أسباب عيشهم الخاصة. كما طالب الدولة المغربية بإلغاء كل الظهائر والقوانين الاستعمارية (ظهير أراضي الجموع والسلاليات، ظهير تحديد الملك العمومي الغابوي، ظهيرالأراضي البحرية، ظهير أراضي الشرفاء، ظهير الأراضي المخزنية، ظهير أراضي الكيش…) ، التي بموجبها “تستولي الدولة ظلما على أراضي وغابات ثروات السكان الأصليين الطبيعية منها والمعدنية، وتعويضها بقوانين تحمي حقوقهم”. كما طالب الدولة المغربية بضمان حق السكان الأصليين في المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمسائل التي تمس حقوق الأرض من خلال ممثلين يختارونهم بأنفسهم، وتمكينهم من إحياء و تطوير مؤسساتهم التقريرية .

وصاية وأضرار تقود الساكنة إلى الاحتجاج

فالحديث عن أراضي الجموع والأراضي السلالية ومناقشة مشاكلها لم يعد فقط حبيس أدراج المحاكم، وإنما انتقل إلى الفضاء العام من خلال عدة ندوات ينظمها نشطاء وذوي الحقوق من أجل التعريف بقضيتهم التي تحولت إلى قضية رأي عام ببعض مناطق المغرب.
فبالنسبة للعياشي تاكركرا، عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وعضو لجنة دعم المعتصمين، فإن الدفاع عن أراضي الجموع هو رفع لنوع من الحكرة والحيف الذي يلحق الساكنة جراء تحكم وزارة الداخلية في ملف أراضي الجموع. أما محمد فقير، من ميسور، عضو اللجنة الوطنية للنهج الديمقراطي وعضو اللجنة الإدارية بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فإن الأراضي السلالية تتعرض لانتهاكات ناتجة عن تصرف العناصر المتحكمة فيها، خاصة وزارة الداخلية التي تفرض وصاية تامة على هذا الملف، مستغلة أمية وجهل النواب بهذا الموضوع، كما أن إمكانية اللجوء إلى القضاء تستلزم ضرورة الحصول على الإذن من الجهة الوصية مما يجعل حسم المشكل قضائيا غير مجدٍ.
ومن خلال النقاش مع العديد من الفاعلين الحقوقيين في المجال يبدو أن هناك اتجاه اليوم لتشكيل جبهة حقوقية عريضة للتصدي لاستهداف أراضي الجموع من قبل الدولة من خلال جهاز الوصاية الممثل في وزارة الداخلية، ومن قبل نافذين. فحسب تقييم هؤلاء الناشطين الذين تحدثنا إليهم فإن هناك ضرورة ملحة لوضع تصور حقوقي لتبني هذا الموضوع “الطارئ” على النشطاء الحقوقيين، وذلك بعد أن أصبح سببا في اندلاع العديد من الاحتجاجات على المستوى الوطني (ميسور، إيميضر، القنيطرة، تازة…)، كما أن الجانب الحقوقي الآخر البارز في هذا الموضوع هو جانب غياب المحاسبة والمسائلة بالنسبة للمتورطين في نهب الأراضي السلالية وكشف المتواطئين معهم، خاصة وأن بعض أشكال التدخل لانتزاع هذه الأراضي قد تؤدي إلى انتزاع حريات المطالبين بحقهم فيها، وقد تكرر هذا في أكثر من موقع.

ثورة النساء السلاليات

الجانب الخفي في قضية الأراضي السلالية وأراضي الجموع، هو أيضا المعركة النسائية التي تخوضها النساء من ذوي الحقوق. فطيلة سنوات كان العرف يحرم المرأة من نيل حقها في الاستفادة وتدبير هذه الأراض المفروض أنها جماعية. وبدأنا نشهد في الفترة الأخيرة ثورة ما يسمى بالنساء السلاليات التي نظمت تظاهرة كبيرة أمام البرلمان المغربي وفي الكثير من المواقع.
فالمرأة حسب فصول ظهير 1919، لا تستفيد من حق الانتفاع من أراضي الجموع وفي حالة إذا كانت أرملة فهي تستفيد فقط إذا كان لها ولد ذكر، ونحرم من ذلك إذا أنجبت بنات فقط. وإذا كان هذا الأمر مبرر من حيث عرف القبيلة الذي يسعى إلى الحافظ على الملكية الجماعية داخل نفس القبيلة بما أن المرأة قد تتزوج من خارج القبيلة مما قد يؤدي إلى انتقال الملكية من خلالها إلى قبيلة أخرى، إلا أنه لم يعد مقبولا من الناحية الحقوقية التي تستمد مرجعيتها من مواثيق دولية وقوانين مغربية بما فيها الدستور الجديد الذي ينص على المناصفة.
فبفضل نضال الكثير من النساء “السلاليات” الشجعان، و بمساعدات جمعيات حقوقية مثل “الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب” التي عملت، بمساندة من منتدى بدائل، على تكوين “شبكة حق النساء في أراضي الجموع وأراضي الكيش” أصبحت الكثير من هؤلاء النساء قادرات على الاحتجاج في الشارع للمطالبة بتمتيعهن بحقوقهن كاملة إسوة بالرجال.
وتمخض هذا النضال المرير والطويل على إقدام وزارة الداخلية أواخر عام 2010 على إصدار دورية تنص على تعميم قرار الاعتراف بأحقية النساء السلاليات في أراضي الجموع على مستوى كافة مناطق المغرب، وتمكينهن بذلك من حق الانتفاع على قدم المساواة مع الرجال في كل ما يخص التعويضات المالية والعينية المقبلة.
ويأتي هذا القرار تتويجا لأكثر من ثلاث سنوات من النضال تميزت بتنظيم هؤلاء النساء “أرامل، شابات ومتقدمات في السن” عدة وقفات احتجاجية أمام مقر البرلمان ووزارة الداخلية باعتبارها الجهة الوصية على الأراضي السلالية، وكذا بعدد من الولايات والجماعات المحلية عبر مختلف مناطق التراب المغربي، للمطالبة برفع الحيف وواقع الميز الذي كن يخضعن له من طرف نواب الجماعة السلالية وبدعم وتحريض في أحيان كثيرة من السلطات.
وبالرغم من أن الوزارة استعملت في قرارها صيغة “التعويضات المالية والعينية المقبلة” مما يفيد أن الانتفاع لن يطال سوى عائدات عمليات البيع المستقبلية لهذه الأراضي، لكن مع ذلك يمكن اعتبار القرار خطوة في الطريق الصحيح، ومع ذلك وكما يمكن الوقوف على ذلك من خلال شهادة الفيديو المرفق لهذا التحقيق، فإن النساء السلاليات مازلن يتعرضن للإقصاء بل وللضرب والتعنيف عند مطالبتهن بالحصول على حقوقهن في الانتفاع من عائدات الأراضي السلالية وأراضي الجموع التي خضعت خلال السنوات الأخيرة للبيع من طرف الدولة لإقامة مشاريع عقارية أو صناعية، لا لشيء سوى لأنهن نساء.

شهادات نساء ومعاناة وألم

بحسب ربيعة الناصري، رئيسة “الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب” فإن قضية السلاليات أخذت بعدا وطنيا وإقليميا، بفضل دعم صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة. فقد عملت جمعيتها منذ 2007، على مواكبة وتكوين النساء السلاليات، كي يتمكن من “المطالبة بحقوقهن، والتواصل مع الصحافة والرأي العام، للتعريف بقضيتهن، سعيا إلى رفع الحيف والإقصاء الممارس في حقهن”.
وكانت النساء السلاليات، البالغ عددهن، حسب تقديرات نفس الجمعية، حوالي 9 ملايين امرأة، يوجدن في كل مناطق المغرب، نظمن حركات احتجاجية، بدعم من الجمعية المذكورة، وجمعيات أخرى، للتصدي والاحتجاج ضد حرمانهن من الاستفادة من تعويض تفويت أراضي الجموع. كما لجأن إلى القضاء الإداري طلبا لإنصافهن. وتفيد المعطيات أن عدد الدعاوى والشكاوى المتعلقة بالنساء السلاليات، المرفوعة إلى القضاء، بلغ أكثر من 900 قضية.
وتقول الجمعيات، التي تنسق ملفات الدفاع عن حقوق السلاليات، إن النساء المعنيات مقصيات من الاستفادة من استغلال أراضي الجموع، بينما جرى ويجري تفويت هذه الأراضي للرجال، بطريقة أو أخرى، ومنح حق الاستفادة من هذه الأراضي حتى للذكور غير المتزوجين، ابتداء من 16 سنة، فيما كانت تحرم النساء. وعند نزع الملكية مقابل تعويض، توزع المبالغ بين الذكور فقط. ويكون مصير النساء الطرد والتشرد واللجوء إلى السكن العشوائي.
وحسب ناشطات حقوقيات فإن ملف النساء السلاليات مازال مهمشا، ويحتاج إلى دعم المجتمع المدني، لرفع الحيف عن شريحة واسعة من النساء المتضررات، فأغلب النساء السلاليات ينتمين إلى العالم القروي ويعشن على حافة الفقر، بسبب حرمانهن من حقوقهن نتيجة تطبيق عرف قديم.

أين يكمن الخلل؟

إذا كان المغرب لايتوفر على بترول أو غاز، فإن مصدر الثروة الحقيقية المسكوت عنه هو “الأرض”، وجزء كبير من الأراضي المنتجة للثروة سواء من خلال الإستغلال الفلاحي، أو من خلال المضاربات العقارية هي أراضي جماعية أو سلالية. فعدد مهم من هذه الأراضي عبارة عن أراضي سقوية تذر أرباحا مهمة في حالة استثمارها، كما أن عدد منها دخل أو أدخل “قسرا” إلى المجال الحضري فتحول إلى وعاء عقاري يخضع للمضاربات العقارية المذرة للثروة مصدر الاغتناء السهل.
لقد كان هدف المستعمر من خلال وضع يده على أراضي الجماعات القبلية واضحا وهو سلب السكان الأصليين أراضيهم، وتحول المالكون الحقيقيون إلى مزارعين يعملون في أراضيهم وأرض أجدادهم، وبعد خروج الاستعمار كان ينتظر أن يصحح هذا الوضع لكن الدولة المستقلة قامت بتفويت وتوزيع الأراضي التي اغتصبها المعمر من أصحابها على أقلية من كبار الملاكين أو “المستعمرين الجدد”، حسب أدبيات اليسار في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهكذا ظهرت ضيعات صودياSODEA وصوجيطا SOGETA، التي كانت في البداية تابعة للدولة، ومع بداية تفويتها بدا التلاعب واضحا في ملك الغير، ومازال جاريا إلى يومنا هذا كنموذج على الاستغلال الممنهج لأراضي السكان الأصليين الذين انتهى أغلبهم عمالا فوق أراضيهم أو مهاجرين في أحزمة الفقر والبؤس في خواصر المدن المغربية. وحتى بعد تفويت الدولة لهذه الأراضي مؤخرا في إطار الخوصص استمر تكريس نفس المنطق الذي اعتمدته الحماية، ألا وهومنطق التمييز ضد السكان الأصليين وذوي الحقوق.
فمن له الصلاحية في التفويتات وفي تحديد السعر هو مجلس الوصاية الخاضع لوزارة الداخلية، وفي هذا الجانب وقف التحقيق التالي على خرق سافر لنوع من أنواع “التلاعبات” التي تخضع لها هذه التفويتات، (سيتم نشر تفاصيل هذه الفضيحة بالوثائق منفصلة عن هذا التحقيق نظرا لأهميتها). وحسب ما توصل إليه التحقيق فقد قامت الدولة ممثلة في جهاز الوصاية بتوفيت أراضي تقع قرب شاطئ بوالقنادل لصندوق الإيداع والتدبير، في إطار المصلحة العامة، بما أن الصندوق يعتبر “مؤسسة عمومية”، لذلك تم التفويت بسعر زهيد، لكن مباشرة بعد تفويت هذه الأراضي التي تقع على شاطئ الفردوس، قام صندوق الإيداع والتدبير بتفويتها هو الآخر وبنفس السعر الزهيد إلى أحد أكبر المنعشين العقاريين المسنودين من جهات عليا في البلاد، ألا وهو شركة “الضحى”، التي حولت تلك الأراضي إلى تجزئات سكنية وإقامات فارهة وفيلات ترفيهية وملعب للغولف، يباع اليوم المتر الواحد فيها ابتداء من 10 آلاف درهم وقد يصل إلى أضعاف هذا السعر مرتين وثلاث مرات!

تفويت زهيد لمصلحة من؟ مسكينة نموذجا

لقد دأبت الدولة على تفويت هذه الأراضي بثمن زهيد فيه ظلم كبير لذوي الحقوق فـ “سعر الدولة” غالبا لا يتناسب مع السعر الحقيقي لهذه الأراضي ولا يمثل قيمتها الحقيقية، بل إن نواب الجماعات السلالية، والذين يتم فرضهم في غالب الأحيان، يوقعون دون استشارة ذوي الحقوق أو يكرهون على التوقيع على محاضر التفويت أو على أوراق بيضاء، في استغلال لامية الكثير منهم.
نموذج آخر لعمليات التفويت “الظالمة” التي وقف عليها التحقيق التالي هي الأراضي الجماعة السلالية لكسيمة مسكينة من قبل “شركة العمران” التابعة للدولة، بحيث تم تفويت هذه الأرض وتعويض ذوي الحقوق بثمن 50 درهما للمتر، فيما أقيمت على نفس الأرض مشاريع تجارية وعقارية تباع بأسعار مهمة، وهذه القضية معروضة اليوم على أنظار المحكمة الإدارية بأكادير، لكن ثقل الآلة القضائية في المغرب سيجعلها تدخل تدريجيا إلى متاهات النسيان.
والأمثلة هنا كثيرة على الأراضي التي تم “تفويتها” بطرق هي أقرب إلى “الانتزاع” من أصحابها من أجل بناء مشاريع صنعت “أعيانا جددا” في الأقاليم والمناطق البعيدة، كل رصيدهم الرمزي هو”ولائهم للسلطة” في التحايل على ذوي الحقوق، وبعض هؤلاء الأعيان أصبحوا “ممثلين للأمة” تحت قبة البرلمان .
فمن تازة إلى فم الحصن بالجنوب مرورا بميسور وإيميضر وتازة وجبل عوام ومكناس والدار البيضاء واغرم وتارودانت واشتوكة ايت باها… هناك اليوم الكثير من القضايا المتعلقة بالتفويتات غير القانونية لأراضي الجموع أمام محاكم المملكة، وبعضها معروض على مجلس الوصاية. وهي ملفات تتراكم ويتم حفظ بعضها. وهذا دليل على حالة الفوضى التي تعرفها عمليات التفويت، وانعدام الشفافية في صرف الأموال المحصلة من ورائه.

صناديق سوداء وصناديق بارود

وحسب الإحصاءات الرسمية فقد تم سنة 2007 توزيع ما قدره 37 مليون درهم على 13000 ألف شخص من ذوي الحقوق ينتمون إلى جماعات سلالية مختلفة، كما تم استثمار 28 مليون درهم في مشاريع لصالح هذه الجماعات. وهذه المبالغ هي فقط جزء من عائدات المقالع والأكرية والتفويتات والعمليات التجارية بأراضي الجموع.
وهو ما يؤكد وجود مبالغ هامة يتم ضخها بصندوق الوصاية من خلال عمليات التفويت والاكرية، أو بصنادق أخرى “سوداء” كما يسميها الإعلام، بما أن صندوق الوصاية نفسه تشرف عليه وزارة الداخلية، ولا يخضع لأية مراقبة أو محاسبة. كما أن عملية التعويض عن تلك الأراضي لذوي الحقوق لا تخضع لمعايير شفافة، تماما مثل عمليات الاستغلال أو الكراء.
إن جزء كبيرا من مشاكل المدن المغربية في الحاضر، والمتمثل في ارتفاع أحزمة الفقر في الضواحي نتيجة تزايد أعداد الهجرة القروية يعود في جزء منه إلى طريقة تدبير الأراضي السلالية والجماعية التي حرم ذوو حقوقها من استغلالها أو الاستفادة منها فتحولوا إلى مهاجرين لجئوا إلى المدن الكبرى بحثا عن مصادر أخرى للعيش، فاستقروا في هوامشها، في أحياء باتت تشكل أحزمة للبؤس والإحباط والجريمة والاستقطاب السياسي والعنف… صناديق بارود شعبية مقابل صناديق فساد سوداء…تتداخل المصالح وتتشابك لكن في لحظة تماس قد ينفجر الكل…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى