تحقيقات

المنطقة الأمنية لإنزكان إكراهات الشرطة التقليدية ورهانات الشرطة المجتمعية

إنزكان، إسم لمدينة ما أن يذكر حتى تقشعر له الأبدان، ليس طربا وإنما خوفا وهلعا. غير أن الغريب في الأمر يكمن في أن العامل الأول في اقتران هذا الإسم بالخوف والهلع قد زال، لكن القشعريرة التي يحدثها رنين الإسم لم تزل حتما بزوال السجن المحلي ذائع الصيت.
ليصبح التفسير الوحيد لذلك الاقتران يعزى إلى السمعة الأمنية لهذه المدينة غير المأسوف عليها، حيث طبقت شهرتها الآفاق في كل ما له رابط قرابة بالانفلات الأمني وتوابعه من مختلف تلاوين الإجرام. لكن شيئا ما حدث مؤخرا، فالوضع الأمني بهذه المدينة بات موضوعا للنقاش العمومي، والسمة الغالبة عليه هي التثمين والرغبة في المزيد من الانفراج.
هل لهذا الأمر علاقة مباشرة بالتعيين الذي مس هرم المنطقة الأمنية لإنزكان؟ أم أن الأسباب الموضوعية لتفريخ الإجرام بالمدينة آخذة طريقها نحو الزوال؟ وفي كلتا الحالتين هل يستطيع القائمون على أمر هذه المنطقة الأمنية الاستجابة لإكراهات الشرطة التقليدية في الآن ذاته الذي يتوجب عليهم فيه أيضا التفاعل مع رهانات الشرطة المجتمعية؟ تلكم أسئلة وأخرى تنظرح أمامنا بقوة، لنحاول أن نستجلي أبعادها ودلالاتها وكذا نتائجها العملية على أرض الواقع في هذا التقرير.

الشرطة التقليدية: المفهوم والتنزيل

لا شك أن المفهوم التقليدي للشرطة ولمهامها واختصاصاتها يرتكز بالأساس على مبادئ أساسية يأتي على رأسها حفظ الأمن والسلم العامين والسهر على حماية الأشخاص والممتلكات والحيلولة دون الإخلال بالنظام العام والسكينة العامة ومحاربة الإجرام والانحراف وتدبير مجال السير الطرقي وفق التحديد القانوني الذي رسمته الدولة عبر مرسوم لمديرية الأمن العمومي بالمغرب، تنضاف لها المهمة الزجرية فيما يتعلق باختصاصات الشرطة القضائية.
وهي بالتأكيد جملة من الاختصاصات النوعية ذات الأهمية، والتي تتطلب من مختلف العناصر الأمنية التابعة للمنطقة الأمنية لإنزكان التجند والاستنفار من أجل تحقيقها وتنزيلها عمليا على أرض الواقع.
غير أن تاريخ مدينة إنزكان للأسف الشديد على المستوى الأمني بالتحديد لم يكن أبدا تاريخا مشرفا، جرائم تلو الأخرى يتم تسجيلها هنا وهناك، حتى أصبحت السمعة الأمنية للمدينة في الحضيض، بدءا من القتل العمد والسرقة الموصوفة والاعتداء بالضرب والجرح المفضي إلى الموت والمتاجرة في المخدرات واعتراض سبيل المارة ليلا ونهارا مع سلبهم لأموالهم وممتلكاتهم تحت طائلة التهديد بالسكاكين والسيوف ولائحة الجرائم تطول.
المجالس العامة وحتى تلك الخاصة بالمدينة لا تكاد تخلو المواضيع المطروحة فيها للنقاش من نقطة أساسية هي الوضع الأمني بالمدينة، حيث تتفاوت التقديرات والتقييمات بين من يرى أن دار لقمان ما تزال على حالها، مستدلا على ذلك باستمرار وجود نقط سوداء ما تزال تلقي بثقلها على أمن وطمأنينة الساكنة، وبين من يعتقد أن الغلو في التشاؤم لم يعد مقبولا، خصوصا خلال الآونة الأخيرة التي يذهب القائلون بالتفاؤل أنها شهدت نوعا من الانفراج الأمني غير المسبوق في تاريخ المدينة، وهو انفراج يأبى أنصار هذا الموقف الثاني إلا أن يسترسلوا في جرد أهم ملامحه، التي يأتي على رأسها الانجازات التي استطاع رئيس المنطقة الأمنية الجديد محمد الصادقي أن يشرف عليها بنفسه، من قبيل توقيف العديد من تجار المخدرات كما حصل بالنسبة لبعض العصابات المتخصصة في الاتجار في المخدرات، علاوة على توقيف شبكة للنصب والإحتيال ينشط ضمن عناصرها أحد الفقهاء وتفكيك عصابة أخرى بالدشيرة كانت متخصصة في السرقة تحت التهديد بالسلاح الأبيض وفي جنح الظلام و توقيف زعيم عصابة مختصة في تزوير البطائق الرمادية الخاصة بالدراجات النارية المسروقة وغيرها من النتائج الإيجابية التي استطاع أمن إنزكان تحقيقها في ظرف قياسي ووجيز.
والواقع أن السمة الغالبة على النقاش العمومي المتابع للوضع الأمني بالمدينة ترجح كفة التفاؤل أكثر من التشاؤم، على اعتبار الإحساس الفعلي للساكنة بسير الأوضاع الأمنية بالمنطقة نحو التغيير الإيجابي، بفعل نجاعة التدخلات ووضوح الاستراتيجية الأمنية المتبعة.
الشرطة المجتمعية: رهان على الطريق

إذا كانت عناصر الأمن بإنزكان بعد قدوم الصادقي وتوليه مهام رئاسة المنطقة الأمنية، قد استطاعت فعلا أن تحدث طفرة نوعية في ما يتعلق بالمهام المنوطة تقليديا بجهاز الشرطة، غير أن التساؤل حول تمكنها من تجسيد مفهوم الشرطة المجتمعية يبقى في الواقع أمرا مشروعا.
إن مفهوم الشرطة المجتمعية يعتبر من أهم المفاهيم المستحدثة في مجال اشتغال عناصر الأمن، نظرا لما يفرضه هذا المفهوم من ضرورة صياغة معادلة متوازنة للعلاقة التي يجب أن تكون بين الأجهزة الأمنية وبين المواطنين في إطار توفير وكفالة أسباب أمن المجتمع، الذي لم يعد حكراً على الجهات الأمنية.
حيث يقتضي هذا المفهوم الجديد إسقاط الاختصاص الحصري لمهام الحفاظ على الأمن على جهاز الشرطة من خلال إشراك جهود المواطنين في صياغة معادلة الأمن إذا أريد لإجراءات الأمن أن تصل فعلا إلى غاياتها المنشودة.
ملاحظات أولية حول آليات اشتغال جهاز الشرطة بالمنطقة الأمنية لإنزكان التي يشرف عليها الصادقي، تفيد أن هذا الجهاز يحاول جاهدا الانضباط لبعض الآليات الإجرائية لهذا المفهوم، وذلك من قبيل السعي نحو توثيق العلاقة مع المواطنين، وكذلك الارتقاء بإدراك المواطنين أو تدعيم الوعي الأمني لديهم.
الأمثلة على ذلك تتعدد، لكن يبقى أبرزها سعي الجهاز الأمني بالمدينة إلى إطلاع المواطنين على نتائج عمله الميداني عبر آلية التواصل الإعلامي، الشيء الذي يمكنه أن يساهم في تحسيس المواطنين بأهمية المجهود المبذول من طرف الشرطة من أجل توفير الأمن لهم، أي محو تلك الصورة النمطية التي باتت لصيقة بعناصر الأمن بإنزكان والتي مفادها أنهم لا يتدخلون إلا ” إيلا كاين الدم “.
هذه المقولة الأخيرة تدفعنا إلى استحضار المجهودات التي يمكن ملامستها وقياسها أيضا بشأن التدخلات الوقائية التي تبذلها عناصر شرطة القرب بإنزكان، على اعتبار أن التدخلات الوقائية تعتبر من بين ركائز مفهوم الشرطة المجتمعية، في مقابل التدخلات الزجرية التي تتميز بها الشرطة التقليدية.
وفي نفس الإطار تندرج أيضا مجهودات التثقيف الأمني التي باشرتها مصالح الأمن في المدارس والمؤسسات التعليمية، والتي تستهدف تربية التلاميذ وتوعيتهم في مجال السلامة الطرقية والوقاية من حوادث السير والعنف المدرسي٬ والأخطار المرتبطة بالاستعمال المعيب لشبكة الإنترنت٬ ومخاطر استهلاك المخدرات والمشروبات الكحولية وحماية البيئة٬ وتحديد أسباب وتداعيات الشغب في الملاعب٬ وكذا تسليط الضوء على جريمة التحرش والاستغلال الجنسي للقاصرين٬ وإبراز السلوكات الوقائية لتفادي الوقوع في الجريمة والانزلاق نحو الجنوح والإدمان.
غير أن الترسيخ الكامل لمقاربة الشرطة المجتمعية يقتضي أيضا بذل المزيد من الجهود نحو إقحام الجمعيات المحلية في صلب الاستراتيجية الأمنية للمنطقة، لتعمل جنبا إلى جنب مع الأجهزة الأمنية المناط بها العمل الأمني، وذلك اعتبارا للقرب المفترض لهذا الجمعيات من المواطنين.
الشرطة المجتمعية إذن تنبني على مبدأ المقاربة التشاركية، سواء في إعداد الخطط الأمنية على المستوى المحلي أو تنفيذها أو في تحسيس المواطنين وتوعيتهم بأهمية المشاركة في التصدي للجريمة.

إكراهات ومعيقات
لا شك أن نجاعة أية مقاربة أمنية لأي جهاز أمني، لن تكون في المستوى المطلوب وفي مستوى انتظارات الساكنة إلا إذا انتفت جملة من الإكراهات والمعيقات التي تحول عادة دون تحقيق النجاعة الأمنية المطلوبة.
وفي الواقع فإن التقييم السلبي لأداء رئيس المنطقة الأمنية لإنزكان لن يكون عادلا في حقه، على اعتبار الفترة الزمنية القصيرة التي تولى فها دفة تسيير شؤون المنطقة الأمنية من جهة، ومن جهة ثانية لمستوى الإنجازات الأمنية التي استطاع تحقيقها في هذه الفترة، أما على مستوى آخر فإن الواجب يحتم أيضا الأخذ بعين الاعتبار لحجم الإكراهات التي تعيق عمل العناصر الأمنية التابعة لمنطقة أمن إنزكان.
إكراهات متعددة يصعب على غير ذوي الاختصاص الإلمام بمختلف تجلياتها، إلا أن أبرز تمظهراتها لا يمكن للعين المجردة أن تخطئها، ومنها على الخصوص قلة الحصيص العامل بالمنطقة و غياب وسائل العمل اللوجستيكية الضرورية، و نقص في البنيات التحتية و التجهيزات الأمنية الضرورية.
فبالنسبة للحصيص الأمني أو الموارد البشرية بالرغم من أنه يعتبر عاما على الصعيد الوطني وليس مقتصرا على منطقة بعينها، لا شك أن ما يلاحظه المتتبع للشأن الأمني بالمنطقة هو قلة عدد عناصر الأمن التابعين للمنطقة الأمنية لإنزكان، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار الكثافة السكانية للمدينة والنمو الديمغرافي المطرد وتوافد جحافل بشرية يوميا على المدينة بحكم طبيعة تخصها الاقتصادي كأبرز مركز تجاري تحتضنه منطقة الجنوب على الإطلاق.
فيما يأتي مشكل غياب وسائل العمل اللوجستيكية الضرورية ثاني المعيقات التي تحد من نجاعة أية استراتيجية أمنية يرسمها محمد الصادقي، وذلك بالنظر إلى احتشام عدد الآليات التي تحتضنها حظيرة السيارات التابعة للمنطقة الأمنية على سبيل المثال.
أما على مستوى البنيات التحتية والتجهيزات الأمنية فالأكيد أن المنطقة الأمنية لإنزكان في أمس الحاجة إلى إعادة النظر فيها، خصوصا فيما يتعلق بعدم صلاحيات البنايات التابعة للأمن الوطني بالمنطقة لإيواء مقرات أمنة تليق بهيبة هذا الجهاز وسمعته، بدءا بالمقر الذي يأوي رئيس المنطقة بإنزكان المركز وصولا إلى مختلف المقرات الفرعية الأخرى التي تحتضن الدوائر الأمنية.
هي إذن جملة من المعيقات والإكراهات الموضوعية التي لن ينفع معها لا تخطيط رئيس المنطقة الأمنية ولا تفاني العناصر الأمنية التي تشتغل تحت إمرته، إنما هي مشاكل حقيقية تستحق فعلا أن تدرج ضمن جدول أعمال الدوائر العليا على مستوى تدبير الشأن الأمني مركزيا.
حيث لا يمكن لهذه المعيقات التي تفرض نفسها بقوة إلا أن تأتي بنتائج عكسية على مستوى النجاعة والمردودية الأمنية بالمنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى