تحقيقات

عقوبات تصل حد التجريد من الحقوق الوطنية أو مليار سنتيم كغرامة معركة التطبيع مع إسرائيل: سوسيون وصحراويون في الواجهة

يعيش المغرب هذه الأيام على صفيح نقاش ساخن بسبب مشروع قانون يتعلق بجعل التطبيع مع إسرائيل جريمة يعاقب عليها القانون.
فبينما يعلل أصحاب هذا القانون، المستنسخ حرفيا عن مسودة لجمعية مغربية غير مرخص لها وهي المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، وعلى رأسهم أحزاب الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والاستقلال، تبنيهم لموقف تجريم التطبيع بالدفاع عن القضية الفلسطينية كقضية وطنية على حد تعبيرهم، يواجههم مناهضو هذا القانون بأن للمغاربة قضاياهم الوطنية الحقيقة التي تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى دعم جميع القوى الدولية ذات الصوت النافذ، أما إعلان الحرب على إسرائيل فلن يؤدي في نظرهم إلى استعداء الدولة العبرية ضد مصالح المغرب الاستراتيجية فحسب، بل سيفقد المغرب دعم حلفائه الغربيين أيضا، على اعتبار أن التحالف الذي يجمعها بإسرائيل أقوى من تحالفاتنا معها.
في هذا الملف، ننقل لكم أطوار الشوط الأول من المواجهة بين دعاة التطبيع ومناهضيه، ذلك أن المستقبل القريب ينذر بأشواط أخرى لاشك أنها ستكون حامية الوطيس.

أعد الملف: عبد الله الفرياضي
هؤلاء هم أصحاب المبادرة

يشكل البرلمانيون المنتتمون إلى الأقاليم الصحراوية وإلى جهة سوس ماسة درعة نسبة مهمة في تشكيلة الفرق النيابية التي تبنت مقترح القانون المتعلق بتجريم التطبيع مع إسرائيل، أما السبب في تركيزنا على هاتين الفئتين دون سواهما، فبالإضافة إلى البعد الجهوي في السياسة التحريرية للجريدة فإن هاتين المنطقتين هما المعنيتان أكثر من غيرهما بهذا القانون، وذلك لإعتبارين أساسيين، أولهما أن منطقة الصحراء كما هو معلوم تعيش في ظلال النزاع المفتعل حول مغربيتها مما يستدعي من البرلمانيين المنتمين إلى هذه المنطقة أكثر من غيرهم البحث عن أصوات دولية مساندة للمغرب في هذه القضية عوض أن تعلن الحرب على دول قوية وذات تأثير كإسرائيل، وثاني الاعتبارين يتجلى في أن منطقة سوس هي التي تزعمت منذ مدة النقاشات الوطنية حول مستقبل العلاقات المغربية الإسرائيلية.
لذا نجد ضمن فريق الأصالة والمعاصرة كلا من سعيد الناصري وموحى بوركالن وعبد اللطيف وهبي وعبد الرحيم مساعف عن منطقة سوس ورشيد التامك وعبد الله ادبدا وسيدي ابراهيم الجماني عن الصحراء، فيما يمثل كل من أحمد صدقي ومحمد عصام وعبد الله ايت شعيب ومحمد أوريش ونور الدين عبد الرحمان وعيسى امكيكي ورمضان بوعشرة وعبد الله اوباري ومحمد لشكر واحمد ادراق ومحمد امكراز منطقة سوس في فريق العدالة والتنمية علاوة على ممثلي الصحراء وهم محمد سالم البيهي وعبد الله اكفاس وعزوها العراك و حمزة الكنتاوي و أمنة ماء العينين.
أما بالنسبة لممثلي الفريق الاستقلالي عن سوس فهم سعيد ضور والحسن امروش والحبيب البوبكراوي وميمون عميري وزينب قيوح والحسين بوحسيني وعلي اباسو وعبد السلام السوسي ، رفقة نظرائهم عن الصحراء كمحمد الأمين حرمة الله ومولود علوات والحسين اجعيدر وامكملتو كمال والسالك بولون ومنصور لمباركي ومولاي حمدي ولد الرشيد وحسان التابي وسيدي حمد الشيكر.
فيما يمثل جهة الصحراء عن الفريق الاشتراكي كل من حسن الدرهم وارقية الدرهم وحامدي وايسي وحسناء أبو زيد، إلى جانب ممثلي سوس محمد بلفقيه والسعدية الباهي ولحسن بنواري وطارق القباج والحسين ودمين. أما النتميان إلى فريق التقدم والاشتراكية فهما كجمولة منت أبي عن الصحراء وعبد الله حنتي عن سوس.

فلسطين مقابل الصحراء

في الوقت الذي شدد فيه جلالة الملك في آخر خطاب له تحت قبة البرلمان على أن ” الوضع صعب، والأمور لم تحسم بعد، ومناورات خصوم وحدتنا الترابية لن تتوقف، مما قد يضع قضيتنا أمام تطورات حاسمة “، دعا الجميع ” إلى التعبئة القوية واليقظة المستمرة، والتحرك الفعال، على الصعيدين الداخلي والخارجي، للتصدي لأعداء الوطن أينما كانوا”. إلا أن الفصائل التي أتت بمشروع قانون التطبيع يبدو أنها لم تستوعب شيئا مما ذكره جلالة الملك، كما أنها لم تستوعب أيضا ما معنى تأكيد جلالته أنه لاحظ ” بعض الاختلالات في التعامل مع قضيتنا المصيرية الأولى، رغم التحركات الجادة التي يقوم بها بعض البرلمانيين”.
ففي الوقت الذي كان لزاما على أعضاء تلك ” الفصائل ” أن تجتهد في كسب المزيد من الأنصار وخصوصا المؤثرين في القرار الدولي خدمة للموقف المغربي العادل بشأن وحدته الترابية، أبت إلا أن تأتينا ببيان لإعلان الحرب ضد إسرائيل وضد حلفاء إسرائيل. بالرغم من أن الجميع يعرف أشد المعرفة القوة والنفوذ اللذين تمتلكهما إسرائيل واللوبيات الدولية التابعة لها في صناعة القرار الدولي، كأنهم يقولون لنا أنهم مستعدون للتضحية بالصحراء مقابل فلسطين.
من هم المجرمون؟ وكيف يعاقبون؟

يعتبر واضعو المشروع مجرما كل من شارك في أنشطة ذات طبيعة سياسية و اقتصادية أو ثقافية أو فنية أو رياضية أو غير ذلك من الأنشطة التي تنظمها جهات رسمية أو غير رسمية في إسرائيل، أو كل من استقبل أشخاصا إسرائيليين في المغرب، كما أن جريمة التطبيع أيضا تتحدد في جميع المبادلات السياسية أو الاقتصادية أو التجارية أو المالية أو الثقافية أو الرياضية أو الفنية أو السياحية أو الإعلامية مع الكيان الإسرائيلي.
أما بالنسبة للعقوبات فقد أورد مقترح القانون أنه “يعاقب كل من يساهم أو يشارك في ارتكاب أفعال التطبيع مع الكيان الإسرائيلي أو يحاول ارتكابها بعقوبة حبسية تتراوح بين اثنين وخمس سنوات وبغرامة تتراوح بين مائة ألف ومليون درهم .
و يجوز للمحكمة بالإضافة إلى العقوبة الأصلية المذكورة في الفقرة الأولى من هذه المادة أن تحكم على المدانين بأحد العقوبات الإضافية المنصوص عليها في المادة 36 من القانون الجنائي، أي العقوبات الإضافية السبعة وهي: الحجر القانوني، التجريد من الحقوق الوطنية؛ الحرمان المؤقت من ممارسة بعض الحقوق الوطنية أو المدنية أو العائلية؛ الحرمان النهائي أو المؤقت من الحق في المعاشات التي تصرفها الدولة والمؤسسات العمومية؛ المصادرة الجزئية للأشياء المملوكة للمحكوم عليه، حل الشخص المعنوي و نشر الحكم الصادر بالإدانة.
المغرب في قفص الاتهام

يقول واضعو المشروع في ديباجة مشروعهم ما يلي: ” إن الآلة الصهيونية، ومعها الإدارة الأمريكية ومسؤولي العديد من الدول الغربية، يشتغلون على محاولة شرعنة وجود الكيان الإسرائيلي وتكريس جرائمه، والضغط بمختلف الوسائل لفرض التطبيع معه بخلق الآليات المختلفة ( المتوسطية والأورومتوسطية والشرق أوسطية….إلخ)، وهو ما يعني أن أي انتماء إلى إحدى تلك المؤسسات أو الآليات كما سموها يعتبر بمثابة شرعنة وجود الكيان الإسرائيلي وتكريس جرائمه، والواضح أن المقصود هنا هو إدانة السياسة الخارجية للمغرب، على اعتبار أن بلادنا تنتمي إلى منظمات جهوية على رأسها الإتحاد من أجل المتوسط، والذي سبق ليوسف العمراني أن تقلد منصب أمينه العام قبيل التحاقه بوزارة الخارجية كوزير منتدب. بل إن جلالة الملك نفسه وصف هذا الإتحاد في الرسالة التي وجهها إلى نيكولا ساركوزي صاحب الفكرة الأصلي ” بالمبادرة الحميدة، المؤسسة لنظام جهوي متجدد، والمحركة لدينامية تشاركية خيرة لهذه المنطقة، التي تعد مهدا للأديان التوحيدية، وأرضا خصبة وملتقى لتفاعل حضارات عريقة” بل إن جلالته أكد أيضا في ذات الرسالة التزامه الشخصي على العمل من أجل التفعيل الأمثل لهذه المبادرة.
فكيف سمح هؤلاء “المشرعون ” لأنفسهم بهذا التطاول الخطير والاتهام الرخيص لبلادنا بالانبطاح أمام الدول الغربية لتكريس تلك التهم التي يروجون لها وجلالة الملك يسترسل في ذات الرسالة معتبرا أن الأهداف المتوخاة من الإتحاد من أجل المتوسط هي “ترسيخ طمأنينة وسكينة الأنفس، وتسهيل المصالحة بين الشعوب، والتعارف والتقارب بين الناس، بقلوب سليمة”
الإتهام موجه أيضا إلى المغرب من خلال المستشار الملكي أندري أزولاي باعتباره رئيسا لمؤسسة أنا ليند للحوار بين الثقافات، وهي مؤسسة تهدف إلى المقاربة بين الشعوب للارتقاء بالاحترام المتبادل بين الثقافات. المغرب ممثلا مرة أخرى في أزولاي معني بنفس الاتهامات، لكن هذه المرة من خلال صفته كرئيس منتدب لمؤسسة الثقافات الثلاث والأديان الثلاثة، للإشارة فهي مؤسسة يتولى جلالة الملك رئاستها الشرفية إلى جانب ملك إسبانيا.
دعاة العزلة: قوانين مماثلة

على غرار ما أقدمت عليه الأحزاب المغربية المتبنية لمشروع القانون المتعلق بتجريم التطبيع مع إسرائيل، تجدر الإشارة إلى أن دولا عربية أخرى شهدت نفس هذا المسار. حيث سبق لكتلة الوفاق الشيعية بمملكة البحرين أن تقدمت بمشروع قانون مماثل صادق عليه البرلمان غير أنه لم يحض بمصادقة مجلس الشورى، قانون يتضمن إنزال عقوبة السجن لفترة قد تصل إلى خمس سنواتٍ بحق الذين يثبت قيامهم بالتحدث إلى الإسرائيليين.
أما البرلمان اليمني فيبدو أنه تجاهل مشروع القانون الذي سبق وأن قدمه إليه النائب محمد الحزمي ، والذي تصل فيه العقوبات على ما يتم وصفه بعمليات التطبيع مع إسرائيل إلى عشر سنوات. فيما سبق لنواب كويتيين أيضا أن انكبوا على مقترح قانون بهدف تقديمه إلى مجلس الأمة بهدف منع دولة الكويت من التعامل مع إسرائيل.
أما تونس ما بعد الثورة، فقد سبق لحزب النهضة الحاكم أن ضمن البيان الختامي لمؤتمره التاسع موقفا أكد فيه أن التطبيع مع إسرائيل حرام، غير أن النقاش الذي شهدته الساحة السياسية التونسية بشأن تخصيص الفصل السابع والعشرين لتجريم التطبيع بدعوة من أحزاب يسارية وليبرالية أفضى إلى سحب ذلك الفصل من مسودة الدستور من طرف الترويكا الحاكمة بقيادة حزب النهضة نفسه، وذلك بناء على نصيحة قدمتها لهم حماس، وهو نفس الرأي الذي تبناه الرئيس منصف المرزوقي خلال حفل تسلمه جائزة المعهد الملكي للشؤون الدولية ‘شاتام هوس’ في لندن، حيث قال ‘لا مكان لتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني في الدستور التونسي الجديد’.

فتاوي غريبة: التوظيف السياسوي للدين
توظيف الدين لأغراض سياسية هو موضوع أسيل حوله الكثير من المداد، غير أن الجميع يكادون يجمعون على أن عملية التوظيف هذه غير مقبولة أصلا. إلا أن من يوصفون عادة بتجار الدين يكادون يملؤون الدنيا بفتاويهم الغريبة بشأن العلاقات مع دولة إسرائيل.
سنبدأ بالمغرب، حيث سبق للفقيه والدكتور أحمد الريسوني، الخبير الأول في مجمع الفقه الإسلامي بمدينة جدة السعودية أن أفتى عقب تواتر أخبار عن وجود تمور إسرائيلية بالسوق المغربية بتحريمها، حيث ادعى أنه ” لا يجوز اقتناؤها ولا دفع ثمنها، كما لا يجوز للمسلم الاتجار فيها. فشراؤها حرام، واستيرادها حرام، وعرضها للبيع حرام، وبيعها فعلا حرام، وربحها حرام”.
فتوى الريسوني تتطابق تماما مع فتوى زميله يوسف القرضاوي في وقت سابق، والتي قال فيها أن ” كل من اشترى البضائع الإسرائيلية والأمريكية من المسلمين، فقد ارتكب حرامًا، واقترف إثمًا مبينًا، وباء بالوزر عند الله، والخزي عند الناس”، غير أننا سنقف مشدوهين حين نتذكر أن القرضاوي قد قال في إحدى خطب الجمعة التي يلقيها في جامع عمر بن الخطاب بالعاصمة القطرية الدوحة ” نشكر الولايات المتحدة الأمريكية على تقديمها السلاح للمقاتلين بقيمة 60 مليون دولار، ونطلب المزيد “، فهذا السلاح بضاعة أمريكية أيضا. فتوى أخرى للقرضاوي يقول فيها ” حرام بل هو من كبائر الإثم والمحرمات أن نطبِّع العلاقات مع إسرائيل “.
الغريب أن المسجد الأقصى لم يسلم بدوره من فتاوي الشيخ القرضاوي الغريبة، حيث واجه دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس للعرب والمسلمين لزيارة المسجد الأقصى بإصداره لفتوى يدعي فيها أن “زيارة القدس لغير الفلسطينيين عبر البوابة الصهيونية خيانة لله وللرسول والمؤمنين فضلا عن الثوابت الوطنية ” وقال إن السبب وراء هذا التحريم هو أن الزائر يضطر إلى التعامل مع المصالح الديبلوماسية لإسرائيل قصد منحه التأشيرة.
أما الداعية المصري خالد الجندي فقد أصدر فتوى أخرى وصفت بأنها غبية حين قال بأنه “يحرم شرعا تصدير الغاز لإسرائيل، كما أن كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني حرام شرعاً “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى