الرأي

الصوت الحائر

نور الدين مفتاح

عذرا على هذا الغياب الاضطراري عن هذه الزاوية، فبعض المطبات الهوائية تضطرك أحيانا إلى النزول إلى مطار استراحة المحارب والمتأمل أيضا.
إننا اليوم في سنة حاسمة في المغرب، إنها سنة امتحان الانتخابات، سنة الحكم على مصير آخر تجربة إسلامية حكومية صمدت بعد الربيع العربي، وعلى الرغم من الكثير من المنجزات، من الحكومة ومن الدولة، أي الملك شخصيا، فإنها بقيت منجزات في الأوراش الكبرى أو في الديبلوماسية، وظلت المعضلة في بناء الإنسان وتوفير الكرامة للإنسان.
إنني أحس أنه رغم هذه الحيوية في النقاش العام حول قضايا كبرى وأخرى صغرى، لأن الحيوية يمكن أن تكون في اللامعنى أيضا، إلا أن هناك نوعا من الاكتئاب الثقافي والسياسي يخيم على الجو، لأن العرض المقدم أصلا للاستحقاقات المقبلة عرض متواضع جدا.
لأبدأ بأصحاب ابن كيران، الذين خلقوا المفاجأة مرتين، في انتخابات 2011 وفي انتخابات 2015، وحققوا ما يسمى بالاكتساح لأسباب عديدة، على رأسها أنه في المخيال العام اليوم كل إسلامي فهو نظيف وكل نظيف فهو الحل، لأن المشكلة في البلاد هي الفساد، صحيح أن الأمر متعلق بالدين في شق منه، ولكنه مرتبط أيضا بالسياق، فبالأمس البعيد نسبيا، كان كل منتمٍ للاتحاد الاشتراكي نظيفا، إلا أن التزوير الممنهج على عهد إدريس البصري وقبله لم يعط للاتحاد الفرصة التي أعطيت للعدالة والتنمية.
في ظني أن التصويت على العدالة والتنمية بهذه الكثافة لم يكن له لذاته ولكن ضد العرض المقابل، وضد الأسلوب الذي سارت به الأمور، خصوصا مع الاستراتيجية التي اختارها الثلاثي حينها شباط ولشكر وإلياس العماري، وأظن أن التصويت على العدالة والتنمية كان بسبب المدفع التواصلي عبد الإله ابن كيران، عندما يفحم خصومه الذين عندهم عجز في المصداقية فهذا بالنسبة للمواطنين كاف. إذا لم تكن المنجزات فعلى الأقل إشفاء الغليل.
ولكن ما هي منجزات ابن كيران، بغض النظر عن ذلك الدفتر الذي يحمله دائما مصطفى الخلفي ليسرد على الناس أرقاما لا يجدون جلّها إلا في كلماته؟!
ابن كيران استطاع باختصار أن يتخذ القرارات اللاشعبية المخيفة بشجاعة: تحرير أسعار البترول، المقاصة، الاقتطاع من أجور المضربين، التقاعد… ولكن تبقى في النهاية قرارات لا شعبية، صوت الناس فيها للشجاعة والأسلوب خصوصا ولم يصوتوا للاشعبيَّة، أما ما تبقى فهو تكرار ممل للرفع من بعض أنواع التقاعد ومنحة الطلبة والأرامل.
المشكلة أنه لم تكن هناك فكرة خلاقة قلبت قطاعا اجتماعيا أو اقتصاديا بشكل مهم، والغريب أنه في مجال الحريّات كانت حكومة ابن كيران سيئة، ولنأخذ مثالا قانون الصحافة الذي أخرجتنا فيه هذه الحكومة إلى القانون الجنائي لأول مرة منذ عهد محمد الخامس رحمه الله، فلماذا تخرجون اليوم الثوابت الوطنية وحدها للقانون الجنائي تراجعا على ما قام به جد محمد السادس طيب الله ثراه. عندما نقول هذا الكلام، يقولون إنكم ضد الثوابت! هل تريد الحكومة في عهد محمد السادس أن يقف الصحافيون مع المجرمين والمغتصبين مهما كانت جنحتهم في الوقت الذي كنا نقف في القاعة 7 أمام القاضي السعداوي حتى ولو كان الأمر يتعلق بالثوابت، وأكثر من هذا أن الأمر في القانون الجنائي يتعلق بدخول جنح صحافية أخرى، ويمكن للقاضي أن يستعمل الفصل 98 من القانون الجنائي ويمنع الصحافي من مزاولة المهنة.
الثوابت ليست ثوابت العدالة والتنمية، الثوابت ثوابت المغاربة، والانتصار لها هو تقريبها من إرادة جلالة الملك المعبر عنها في كل خطبه منذ اعتلائه العرش وليس محاولة ربح سياسي بتقديم الأمر على أنه إنجاز لم يأت الزمان بمثله بإخراج قانون خال من العقوبات الحبسيَّة! وما سنسمعه من رد غدا هو ها هي المذكرة الفلانية، واللقاء العلاني، وهذا ليس هو جوهر الموضوع، الجوهر في الموضوع في حد ذاته. وعموما هذا رأيي الشخصي أدلي به لأول مرة وليس رأي الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، التي سيكون لها واسع النظر.
حكومة ابن كيران أعدَّت واحدا من أسوأ قوانين الولوج للمعلومة، والخبراء يعتقدون أن مشروع القانون الجنائي للأستاذ مصطفى الرميد ليس أقل خطورة في مجال الحريات.
أتمنى أن يصلح الأمر في البرلمان بروح وطنية تتلخص ببساطة في ألا تخرج قوانين تعطي صورة خاطئة عن التقدم الملموس الحاصل في الواقع في المغرب.
أما إلياس العماري، فقصة أخرى، فالمسار الذي وصل به إلى رأس حزب الأصالة والمعاصرة يبقى هدية لابن كيران، فقد ظل يقول للمغاربة إنه غير معني لا بسلطة ولا بمنصب وإنه ليس صاحب القرار، في الواقع الفاهمون كانوا يفهمون أنه محرك جميع الخيوط، وأنه ظل يضع في الواجهة رئيسا صوريا وهو يقول سأهجر السياسة، والناس ذاكرتهم ليست قصيرة، فماذا جرى يا ترى حتى أصبح إلياس هو الخيار الثاني لرئاسة الحكومة المقبلة بعد عبد الإله ابن كيران!
زد على ذلك أن حزب الأصالة والمعاصرة باسم محاربة الخطر الداهم للإسلاميين، فإن كل الأساليب كانت بالنسبة له ممكنة، الخلط والخبط في النخب والتلاعب بالتحالفات وإعطاء الانطباع للناس بأن زمن الأحزاب الإدارية مازال قائما.
نخب كثيرة دخلت الأصالة والمعاصرة عن حسن نية، ولكن المشكلة في عطب الولادة وأسلوب التدبير ونوعية الخطاب.
ليس هناك خيط ناظم لخطاب واضح مطمئن ولفكرة خلاقة يكون وقودها المصداقية.
على من سأصوت غدا؟ إذا ظهر المعنى فلا فائدة من التكرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى