مجتمع

باحث في علم الإجتماع : الحركات الإجتماعية حاملة لرسائل وليست قابلة للتلقيف السياسوي

jamahir

شدد الباحث السوسيولوجي الدكتور حسن مجدي على أنه ينبغي اعتبار الحركات الإجتماعية كحاملة لرسائل وليس كأشياء قابلة للتلقيف السياسي أو السياسوي. مضيفا في حوار له مع “أنفاس بريس” أنه يلزم أيضا تشخيص المعاناة الإجتماعية بصرامة عن طريق أبحاث ميدانية وفقا للقواعد والمنهجية السوسيولوجية. مع العلم، يقول الدكتور مجدي، هناك مطالب عادلة ويجدر أخذها بحزم والتعامل معها بجدية وفق جدول زمني والتزام محددين، كما لا يستقيم في المقابل أن ترهن حركة اجتماعية سبب وجودها إلى حادث درامي عابر..

حركات احتجاجية متناسلة على طول السنة وقودها سيبة إدارية متمنعة عن القانون بحيث لا يلحقها العقاب. يحدث أحيانا أن يمس جورها وجبروتها حياة المواطن كما في حالة سماك الحسيمة محسن فكري فيخرج الناس للتظاهر. هل نحن أمام نخب إدارية منحرفة تشكل ممارساتها تهديدا للنظام؟

لا ينبغي أن ترهن حركة اجتماعية سبب وجودها إلى حادث درامي عابر. وفي هذا الصدد أشدد القول على اعتبار ذالك غير مقبول من وجهة نظر سوسيولوجية. كما يجب التعاطي  مع الأمر تحليلا وفق منظور أكثر شمولية يأخذ بعين الاعتبار تطور المجتمع المغربي الذي ما عاد يطيق الإعتباطية والظلم.

mjdi

لقد أفل ذالكم المغرب الذي كان موجودا ثلاثون عاما من قبل وتنحى لأخر غيره جد متطلب لما يشكل عمود الدولة العصرية؛ العدالة والحريات الفردية والجماعية. فالجيل الجديد يرفض التدجين عن طريق الوعود السياسية والتي لا تلزم إلا أولئك المعنيين بها، وبدل ذلك يروم مشاركة فعالة في صيرورة صنع القرار.

لنباشر القول بكلمة واحدة -وهو ما تؤكده كل الأبحاث- إنه لأمر مرعب ألا يكون الشباب في عمق الانشغالات السياسية. من أجل سياسة جديرة بالثقة في ميادين التشغيل والتعليم والصحة؛ أي ما جرت العادة على تسميته بـ ” التنمية البشرية ”  وهو ورش – كما تعلمون – ارتقى إلى مستوى قضية وطنية منذ انطلاقة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن للقدرية السياسية أن تتحول إلى عرض سياسي دائم؛ ينتظر من المسؤولين كشف حساب تسييرهم طالما أن الأمر يتعلق بما نسميه بالشفافية في السياسة. كما يتطلب من المواطنين بأن يكونوا محميين من مخاطر عدم الإستقرار. فصيغة العمل للحساب الشخصي قد تكون سبيلا عن العطالة واللاعمل. وإنه الأمر الذي يندرج عادة ضمن مسمى العمل غير الرسمي والذي – حسب تصوري – ينبغي أن يدرج ضمن سجل الإقتصاد الشعبي.

فالفقيد محسن فكري كان مثالا دالا على اقتصاد القرب الذي يميز مجتمعنا المغرب. والمطلوب هو فقط الضبط والتحذير وليس القمع.

إن الإتيان بحماس زائد بالفعل المشين (من طرف موظفي الدولة ) المعول عليهم الدفاع عن المواطنين وليس ظلمهم وخنقهم مرده النقص الواضح في روح المواطنة واحترام حقوق الإنسان والتي عليهم إتباع دورات تكوينية للإلمام بها .

انحياز الدرس السوسيولوجي إلى نوع من المسكنة الأكاديمية التي تهتم بظواهر راشحة عن كل اسمه المجتمع، والذي يعني قصدا الفئات الدنيا و”الحقيرة” بالمعنى الوصفي والإمعان في استخراج نتائج ظاهرها علم وباطنها يحمل حكم قيمة سلبية عن ممارسات الشعب. ألا يمكن قراءته من باب أن السوسيولوجيا المغربية تحولت إلى “علم محلي” معار للنخب الاقتصادية والإدارية والمالية ولمجموعات الضغط المصالحية والدينية لإبعاد شبهة الجنوح الراقي التي تمارسه في حق المواطن  والذي يكون من نتائجه  مجموع من الحركات الاحتجاجية التي باتت تؤثث الفضاء العام ؟

يجب أن يكون السوسيولوجي قائفا وكشافا عن الإستعصاءات بتعيينها ووضع الأصبع عليها من أجل تدقيق التشخيص واقتراح الحلول تحصيلا لبغية عيش مشترك أمثل. إنه حتى الأكثر شهرة من بين علماء الإجتماع ؛إيميل دوركايهم، مؤسس علم الإجتماع، أوضح الأمر بجلال القوة ” نخمن أن أبحاثنا لا تستحق عناء ساعة إن كانت تروم فقط تحصيل هدف المعرف لذاتها. إنه لئن كنا نقوم بعزل بتؤدة الإشكالات النظرية عن مثيلاتها التطبيقية فلغرض إيجاد حلول أحسن لها وليس عدم الإهتمام بها

المعاناة الإجتماعية ينبغي تشخيصها بصرامة عن طريق أبحاث ميدانية وفقا للقواعد والمنهجية السوسيولوجية . البحوث الممولة من طرف السلطات العمومية سيكون لها على الأقل مزية الإستقلالية  بعيدا وفي منأى عن تأثيرات المال الخاص.

لا أحد له احتكار السوسيولوجيا التجريبية، أكثر من هذا؛ ولأن الإشكالات شديدة التعقيد، على عاتق عالم الإجتماع العمل مع المؤرخ والجغرافي وعالم الإقتصاد  لحيازة معرفة مانعة بالموضوع المدروس.

الدرس السوسيولوجي لا ينبغي، فقط ، أن يكون فائق الأستاذية، إنه ينبعث من الواقع، من واقع الحياة وليس من الخيال. إنه يستلهم من الوقائع الإجتماعية لعصرنا.

بشكل مفارق تعتبر الحركات الإجتماعية علامة على حيوية مجتمعنا وهي تشي- كما تعلم- بشكل نوعي عن انتظارات متسارعة لحشود في حالة قلق ومحنة.

إن القيام بأبحاث بخصوص هذا الموضوع يساعد- بدون شك- على رؤية حالة المجتمع المغربي على ضوء هذه الغايات الثقيلة وأيضا ارتكازا على شهادات أناس عاديين حول وضعيتهم الإجتماعية (مسألة الدخل المنحصر وغير الكافي لإستكمال النفقة لآخر الشهر. تعسر الولوج للعلاجات الأولية و على الحصول على سكن لائق وتعليم جيد)

يمكن أن تطفو على السطح إشكالات ومواضيع أخرى من قبيل وضعية المرأة في المجتمع بعيدا عن الخطابات الهاجيوغرافية (التقديسية ذات الطابع المدّاح) . وضعية المهاجرين في المدينة . الميز. العنصرية، الفساد وهلم مواضيعا ..

هل أصبحنا أمام تخصص صالوني بدل أن يمد صناع القرار بالمشورة العلمية صار يقدم كليشيهات بطعم النميمة. خطورة الوضع هو السماح لخطاب النخب الراقية التي هي سبب كل الحركات الاحتجاجية بالظهور عبر قنوات متنوعة حزبية – سياسية . ثقافية/ تحليلية لتقديم تفسيرات بلبوس وطني حول خطورة احتلال المحتجين للشارع العام وحول الفتنة المزعومة في استمرار المواطنين بشكل يومي مسترسل ودائم لإحقاق مطالب من قبيل العدالة الترابية والإنصاف المجالي ومحاربة اقتصاد الريع ومحاسبة الفاسدين.. علما أن هذه المطالب تشكل عصب سياسة محمد السادس؟

ينبغي اعتبار الحركات الإجتماعية كحاملة لرسائل وليس كأشياء قابلة للتلقيف السياسي أو السياسوي. فهناك مطالب عادلة ويجدر أخذها بحزم والتعامل معها بجدية وفق جدول زمني والتزام محددين.

ما مضمون هذه المطالب ؟

هل هي مطالب شرعية ؟

هل يمكن ترتيبها حسب الأولويات ؟                                                                             

السوسيولوجي يمكن أن ينخرط بكمال متسلحا بِغُنْمِهِ المهني (معرفته وخبراته ومقارباته) في المجهود الجمعي من أجل مجتمع لائق.

إنكم تطرحون سؤالا مركزيا حول الشرخ الموجود بين ما يصطلح على تسميته بـ “النخبة” من جهة وبين الشعب من جهة أخرى ؛ غير أن – وهذه فرضيتي الخاصة – الشرخ الأصلي يكمن بين نخب مدعية (أشباه نخب) تشرعن لنفسها وتحتل الفضاء الإعلامي . للدعاية (البروباغاندا) بلغة خشب بعيدة عن واقع الحال.

تكلمت عن التلقيف / الاستعادة السياسية (لما يمور عن الحركات الإحتجاجية) كونها ماسة بأخلاق المسؤولية ضارة بها على طريقة ماكس فيبر؛ لكن ليتولانا الله فنحن في مجتمع تنحت نخبه لصالح ديكتاتورية الرأفة الجارفة.

لقد نلنا ما نستحقه ! والشعب كذالك !

فالفطرة الشعبية السليمة تملك القدرة في الوقت المناسب للتمييز بين موقدي الفتنة وبين الأصلاء الجديرين بثقتها. ومأساة البوعزيزي كانت قطرة الماء التي أفاضت الكأس والتي عَمَّدت بها الصحافة العالمية “الربيع العربي” آلت للحدوث. وهي تقدم للملاحظ مادة للتأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى