الرأي

الصحراء بين مرض فرانكو وبين مرض بوتفليقة وهبوط البترول

سعيد عمري

قبيل استقلال الجزائر بسنوات قليلة كانت الحكومة الجزائرية المؤقتة تعترف بالحدود المغربية المتفق عليها وبالخرائط والرسوم التي تعترف بمغربية الصحراء واعدة المغرب أنها فور تسلمها للاستقلال ستمنحه كل أراضيه في الصحراء الشرقية، لكن الجزائر بعد استقلالها انقلبت على وعودها واحتفظت بتلك الأراضي لصالحها إلى الآن. ذلك بأن غنى هذه المنطقة الشرقية بالمعادن خاصة الحديد زاد من أطماع الجزائر فاعتقدت أنها قادرة على تجاوز الممر المغربي لتسويق الحديد المكتشف بتيندوف من خلال دعم مشروع دولة صحراوية توفر هذا الممر دون كلفة كبيرة، وهو ما أدى إلى حصول تحول جذري في الموقف الجزائري من الصحراء المغربية. وقبل سنة 1975، وبالنسبة لإسبانيا كان كل شيء يدفع في اتجاه تكريس الوضع القائم في الصحراء المغتصبة، فإسبانيا المُستعمِرة الخاضعة آنذاك لحكم الجنرال فرانكو، مازالت آنذاك تبسط نفوذها على كامل الأقاليم الجنوبية للمملكة، والحسن الثاني كان يبحث عن وسيلة ناجعة لاستكمال الوحدة الترابية بعد تقصير الدولة المغربية بعيد الاستقلال في تقديم الدعم اللازم لجيش التحرير الذي كان يناضل ضد الإسبان بمعية مقاومين صحراويين مغاربة ما بين 1956 و1958 بالجنوب.

لقد كان فرانكو يرفض في كل مرة إجلاء قواته من الصحراء إلى حدود 1975 مما جعل موقف المغرب الحديث العهد بالاستقلال ضعيفا ، لكن احتضار الجنرال فرانكو والتحضير لتغيير النظام السياسي الاسباني أعطيا للمغرب فرصة سانحة لاستثمار هذا الوضع فسعى إلى تنظيم المسيرة الخضراء يوم 6 نونبر 1975 مما أربك حسابات اسبانيا في فترة عصيبة من حياتها، فلم يبق للمغرب غير الجزائر فغامر بالمسيرة الخضراء كائنا ما كان موقف الجزائر التي خبر المغرب قوتها لما انهزمت على يده في حرب الرمال 1963.

ومنذ سنوات قليلة وحتى اليوم تعيش الجزائر بدورها مرحلة شبيهة بالمرحلة التي عاشتها اسبانيا أثناء تنظيم المسيرة الخضراء، والمشترك بينهما هو مرض الرئيسين ، لكن بالنسبة للمغرب لا يهمه هل ستكون مرحلة مرض الرئيس بوتفليقة أو نهايته مرحلة حسم لقضية الصحراء مثلما كانت فترة احتضار فرانكو فرصة سانحة لتصفية الاستعمار بالأقاليم الجنوبية المسترجعة. ما يهم المغرب هو استثمار هذه الظروف التي تعيشها الجزائر بسبب احتضار الرئيس زيادة على الانخفاض الحاد للبترول الذي يعد عصب الاقتصاد الجزائري . وفي هذا السياق يمكن القول بأن التحرك القوي والديناميكي للمغرب نهاية سنة 2015 وبداية سنة 2016 في الأقاليم الجنوبية لم يأت اعتباطا لأن هذا التحرك هو بمثابة مسيرة أخرى في غفلة من الجزائر التي يحتضر اقتصادها ورئيسها كما هو الشأن بالنسبة للمسيرة الخضراء التي نجحت في غفلة من إسبانيا، وتلك المسيرة الأخرى الجديدة هي مسيرة تنموية بكل امتياز. إنها مسيرة ستكون بدون شك منعطفا جديدا للتنمية المحلية لهذه الجهة المتواجدة في أقصى جنوب المملكة، و هي التنمية التي تجمع بين الاقتصادي و السياحي و الاجتماعي فوق منطقة تمثل منفذا على المحيط الاطلسي.

لقد أتت الزيارة الملكية الأولى لمدينة العيون بتزامن مع احتفال الشعب المغربي بالذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء 6 نونبر 2015، من أجل التأكيد على مغربية الصحراء، بعد أن شكلت إجماع مختلف الفاعلين السياسيين بالمغرب. وتعتبر هذه المحطة تاريخية ستؤسس لثورة تنموية جديدة في منطقة الصحراء على اعتبار أنها سترفع من الشعور بالوطنية والفخر بالانتماء إلى المغرب. وقد كان توجيه الخطاب الملكي من مدينة العيون، ضربة موجعة لبعض الأطروحات الوهمية التي يروجها البوليزاريو ، من قبيل أن العيون هي عاصمة الكيان الانفصالي ، علاوة على ذلك يعتبر ذلك الخطاب رسالة جيو-استراتيجية مفادها أن العيون لا تزال مغربية. من بين تلك الرسائل أيضا كون العيون أكبر حاضرة في الصحراء، وهذه الحاضرة تحتاج إلى ربط المسيرة التنموية بالمسيرة الخضراء كحدث تاريخي مهم. وبالتالي يمكن اعتبار هذه الزيارة بمثابة مقدمة لدفن أطروحة الانفصال بالمنطقة، إن لم نقل انطلاقة مؤسسة لنموذج المخطط الجهوي والتنموي بعد انتهاء مسلسل الانتخابات الجهوية والمحلية .

أما الزيارة الملكية الثانية لمنطقة الصحراء بداية شهر فبراير 2016 فتعد استكمالا للرسائل التي تضمنتها الزيارة الأولى مع العلم أن ما ميز الزيارة الثانية هو انعقاد مجلس للوزراء بمدينة العيون، مما يعني أن هذه المدينة هي مدينة آمنة ومنفتحة على باقي أقاليم الجنوب، ويمكن أن تكون صلة وصل بين الجنوب والشمال، وهي بذلك مدينة مغربية في ظل السيادة المغربية. وقد أسفرت هذه الزيارة عن تدشين مجموعة من المشاريع الهامة وذات الوقع الصحي والبيولوجي والاقتصادي والبيئي القوي، ومن هذه المشاريع تدشين أكبر سوق للسمك بميناء الداخلة و الذي سيساهم في تثمين المنتوج السمكي كما سيعمل على توفير السلامة و الشروط الصحية المعمول بها على المستوى الوطني و الدولي، كما سيؤسس هذا المشروع الذي يهم احد القطاعات الحيوية على مستوى جهة الداخلة وادي الذهب للتنافسية العالمية على مستوى الثروة البحرية التي تتم عبها هذه المنطقة. هذا بالإضافة إلى مشروع تربية (المحار) الذي يدخل ضمن الاحياء المائية، وهذا المشروع سيساهم بدوره في بلورة قطاع من قطاعات الصيد البحري الذي تزخر به المنطقة، ناهيك عن وحدة لتحلية مياه البحر وتدشين وإعطاء انطلاقة عدد من المشاريع التنموية.

إن هذه الزيارة التي ستكون بادرة خير على المنطقة من ناحية الوضع الاقتصادي والاجتماعي تروم تحسين ظروف عيش السكان من خلال تقديم إجابة ملائمة لرهانات الاستدامة، وتعكس هذه المشاريع ذات الوقع الصحي والبيولوجي والاقتصادي والبيئي اهتمام الدولة المغربية بهذه المنطقة التي تطل على منطقة قريبة من امكانية تمدد الجماعات المسلحة إليها ولهذا وجب سحب البساط من تحت أقدام أية جهة متطرفة انفصالية كانت أم جهادية. وخلاصة القول فإن الزيارة الملكية للأقاليم الجنوبية وما حملته من مشاريع تنموية ستكون فعلا مقدمة لدفن الأطروحة الانفصالية خاصة في هذا الزمن المواتي والملائم نظرا لضعف اقتصاد الجزائر وتزايد شح المساعدات الانسانية الدولية لمخيمات تيندوف وغموض المشهد السياسي الجزائري وتراجع الدول المعترفة بالبوليزاريو. والقيام بهذه المسيرة الثانية بعد المسيرة الخضراء وفي مثل هذه الظروف الجيو-اقتصادية-سياسية من شانها أن تعطي نتائج مثمرة إذا ما سلم تدبير الثروات التي ستخلق في المنطقة من ثقافة الريع التي نخرت اقتصاد المنطقة لسنوات.

*أستاذ باحث بمركز تكوين الأساتذة – ومؤلف كتاب “حمادة تيندوف، القنبلة الموقوتة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى