حقائق الورقية

علاقة الملك مع فقهاء سوس

دأبت السلطات العليا خلال التاريخ السياسي الحديث للمغرب على إحاطة القصور الملكية بنوع من التكتم الشديد و الشح المفرط في المعطيات، لارتباط هذه القصور في نظرنا بشخص الملك و هيبة النظام، غير أن اعتلاء الملك محمد السادس عرش المغرب أتى ليشكل منعطفا تاريخيا كبيرا مع ذلك التقليد، حيث أزاح بعضا من الستائر التي كانت تحجب عن المواطن معرفة ما يجري داخل القصور و إن بشكل نسبي.

و يعتبر القصر الملكي بأكادير أول القصور التي جسدت هذا التغيير الذي رسمه محمد السادس في علاقة النظام الملكي بالشعب، ذلك أن بعض خبايا هذا القصر و إن بسلبياتها قد وضعت رهن علم المواطنين دون تكتم أو تعتيم خلافا لما كانت عليه الأمور في العهد القديم، لقد فضل محمد السادس إذن أن يبعث برسائل مهمة إلى الشعب حين فضل إحالة نازلة قصره بأكادير على أنظار إحدى محاكم الشعب و هو “القاضي الأكبر” لتكون تلك سابقة في تاريخ القصور الملكية، في هذا الملف، ستفتح مجلة “حقائق مغربية ” موضوع القصر الملكي بأكادير، محاولين النبش في بعض من خباياه و أسراره، لكونه ساهم بشكل كبير في بناء المغرب الجديد كما كان شاهدا على بعض القرارات.

علاقة الملك مع فقهاء سوس

لقد استطاع الحسن الثاني أن يوفق بين البذلة الأوربية الحديثة الآتية من أفخم محلات الموضة في الغرب و بين الجلباب التقليدي المغربي، و في هذا الإطار كان قصر أكاديرشاهدا على هذه الإزدواجية في شخصية الملك الراحل، و ذلك من خلال علاقتهم بالفقهاء السوسيين الذين نسجت حول علاقتهم بالملك العديد من الروايات التي أمكن التأكد من بعضها فيما يتعذر التأكد من بعضها الآخر.

تحكي إحدى تلك الروايات أنه و قبل أن يعطي الملك الراحل إشارة انطلاق المسيرة الخضراء سنة 1975 و التي شارك فيها أكثر من ربع مليون مغربي من مدينة أكادير، طلب من خدامه استدعاء أحد أهم فقهاء سوس و هو الحاج الحبيب البوشواري، من منطقة تنالت لاستشارته غير أنه اعتذر عن تلبية طلب الملك و لما استفسر عن السبب قيل له أن بركة ذلك الفقيه موجودة حيث هو و أن الفقيه طلب من الملك أن يأتيه لمقابلته هناك في مدرسته العتيقة دون موكب، و هو ما قام بهالملك الراحل، حيث سأله سؤالا واحدا، هل سأربح قضية الصحراء؟ فأجابه الفقيه حسب الرواية بالإيجاب، لكنه أكد له أن سيلقى بعض المتاعب بعد ذلك، و لما رجع منحه الفقيه سبحته التي لازمته طيلة حياته.

و تحكي رواية أخرى عن علاقة الملك الراحل بالفقيه السوسيالحاج الحبيب، أنه خلال التحضير للقاء الملك مع الرئيس الجزائري الشادلي بن جديد قمة العقيد لطفي بوساطة من الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز فوجئ مستشارو الملك بتوجهه إلى مراكش قبل السفر إلى وجدة لمقابلة خصمه الجزائري، حيث قرر لقاء الفقيه الحاج الحبيب أولا الذي قدم له حسب الرواية  دائما بعض التمائم.

ذات الروايات تشير إلى أن الملك الراحل يعتمد على فقهاء سوس اعتمادا كبيرا، إذ يروى أنه طلب من فريق منهم التوجه إلى شاطئ مدينة الجديدة سنة 1988 لقراءة القرآن و الأوراد و الأذكار بعد الكارثة البيئية التي تسببت فيها الباخرة الإيرانية “خراج” التي كانت محملة بالنفط إلى إحدى جول أمريكا اللاتينية و تعرضت  للغرق في عرض المحيط الأطلسي.

و في هذا الإطار يحكي الحاج الطيب الهوزالي، و هو أحد أشهر فقهاء سوس  اليوم وأحد الفقهاء الذين كانوا يحظون بالتقدير الملكي، أن الملك كانت تربطه علاقة قوية بفقهاء سوس حيث كان يعظهم إلى حد يصفهم  فيه بشيوخه، و كان يكرمهم إكراما كبيرات، و الشأن كذلك بالنسبة لهؤلاء الفقهاء الذين كانوا بدورهم يجلونه و يعظمونه أيما تعظيم حتى قالوا إنه لم يسبق مثيل للحسن الثاني في الملوك العلويين، إذ كانوا يشبهونه بالحسن الأول من ناحية المرتبة العلمية، ويفوقه من ناحية الحنكة السياسية و يضيف الحاج الطيب الهوزالي في لقاء مع جريدة “حقائق مغربية” أن الملك الحسن الثاني “كان إذا استقر به المقام في قصر إفران يبعث إلى فقهاء سوس ليقضوا معه هناك حوالي 3 أيام، كما كان يستقبلهم كل مرة كل مرة يأتي فيها لقصر أكادير، بل يبعث بإكرامياته إليهم في مدارسهم العتيقة”.

من خلال هذه الشهادات التي أدلى بها أحد الفقهاء الذين لا يكادون يتخلفون عن لقاءات الملك بقصره في اكادير، نتكشف بالواضح مدى العلاقة الوطيدة التي كان الملك الراحل  يحرص على أن تربطه بهؤلاء الفقهاء، و هو ما يذهب بعض المحليين إلى تفسيره يكون الفقهاء هم الممثل الطبيعي للجانب الديني للإسلام، و هي الإشارة التي التقطها المغفور له الحسن الثاني، و أحسن توظيفها لتعزيز مكانته لدى الشعب عن طريق تأثير هؤلاء الفقهاء، خصوصا في وقت احتدم فيه الصراع بين المؤسسة الملكية و معارضيها السياسيين و العسكريين على حد سواء.

و هو نفس المنوال الذي سلكه الملك محمد السادس، و إن كان بشكل أقل، و يقول الحاج الطيب في هذا الصدد أن الملك محمد السادس نصره الله يستدعي في بعض الأحيان بعض العلماء لإكرامهم و الإحسان إليهم.

و بناء على ما سبق، يتضح أن قصر أكادير قد لعب دورا كبيرا في تقوية إحدى الأركان الأساسية التي تأسس عليها النظام بالمغرب، ألا وهو الركن العقدي و الديني و ذلك من خلال استقطاب رجال الدين و إكرامهم لنيل قبولهم حتى يتم تفادي بعض الأخطاء التي سبق أن وقع فيها بعض السلاطين العلويين بخلقهم خصوصا حين نعلم أن الفقهاء بسوس مكانة خاصة و بالمغرب عامة مكانة كبيرة أهلتهم لتوجيه الناس و تعبئتهم، و هو  ما التقطه الملك الراحل في زمن كان المتربصون بالعرش يتعاظمون.

يتبع ..

حقائق 24

جريدة إلكترونية مغربية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى