حوارات

عبد الواحد لوديي مسؤول الأمتعة الملكية والشخصيات المهمة سابقا بمطار سلا “لحقائق مغربية”:عاقبني البصري بالتجويع وتهمتي هي حماية الملك

كافأه الحسن الثاني وأمر محمد السادس بإنصافه وأثنت عليه أجهزة المخابرات، لكن رغم ذلك كله ما يزال يواصل تجرع مرارة العقاب القاسي الذي حكم عليه به وزير أم الوزارات في حينه. عقاب أتى على الأخضر واليابس في حياته، بدءا بعصيان الأوامر الملكية مرورا بالإهانة في العمل وتجربة قصيرة في الاعتقال وصولا إلى إحالة مجحفة على تقاعد موغل في الإهانة والإذلال.
تلكم خلاصة مسيرة رجل لم يتورط يوما في الإساءة إلى الملك، بل لم يعرف للسياسة في الأصل لا صورة ولا ملمحا، مسيرة حياة تغيرت بين ليلة وضحاها، من العيش في حالة رغيدة ومستقرة إلى العيش في ظل الحرمان والقهر والانكسار النفسي، وذلك كله لسبب قد يبدو للكثيرين غريبا، إنه حرص موظف سابق بالخطوط الملكية المغربية على حياة الملك الراحل الحسن الثاني عبر رفع تقرير إلى جلالته دون المرور عبر ” باراج ” إدريس البصري، وبكلمة واحدة إنها مأساة المسؤول السابق عن مصلحة الأمتعة الملكية والشخصيات المهمة بمطار الرباط سلا عبد الواحد لوديي، الذي سنعيش معه في هذا العدد بعضا من فصول مأساته.

من هو عبد الواحد لوديي؟

موظف سابق بالخطوط الملكية مكلف بالأمتعة الملكية والشخصيات المهمة، يعتبر نفسه ضحية من ضحايا سياسة الانتقام المعروفة عن الوزير القوي في الداخلية سابقا إدريس البصري.

تذكرة ذهاب نحو الجحيم

اعتاد المسؤول الشاب بالخطوط الملكية المغربية عبد الواحد لوديي خلال ثمانينات القرن الماضي أن يحجز لنفسه تذاكر سفر ذهابا وإيابا على متن الخطوط الملكية، وغالبا ما تكون مدينة باريس الفرنسية هي الوجهة.
غير أن الظروف والأقدار شاءت ذات يوم من أيام سنة 1987 أن يحجز لنفسه مرة أخرى تذكرة سفر لم يكن يعلم أنها صالحة للذهاب فقط من غير إياب، أما الوجهة فلم تكن كالعادة هي عاصمة الأنوار باريس، بل الوجهة كانت هذه المرة هي الجحيم.
تذكرة الجحيم تلك لم تكن سوى تقريرا دبجته أنامل عبد الواحد لوديي حول الثغرات الأمنية الخطيرة التي يعاني منها مطار الرباط سلا، وهو ما يعني بشكل مباشر إمكانية وجود خطر حقيقي على سلامة وحياة الملك الحسن الثاني، إذا علمنا أن جلالته كان يستعمل عادة نفس المطار في سفرياته يؤكد لوديي.
إلى حدود الآن يبدو أن التذكرة التي حجزها مسؤول الأمتعة الملكية والشخصيات المهمة بمطار سلا بقيت بدون عنوان، غير أنه في لحظة من اللحظات سيقدم على عنونتها بالبنط العريض ” تذكرة سفر نحو الجحيم “، دون أن يكون في الأصل على علم بأنه قد اختار لتذكرته ذلك العنوان. حيث يؤكد لوديي أن ذلك الوضع الأمني غير المقبول بل الخطير بالمطار قد أقلقه كثيرا، خصوصا وأن حياة ملك البلاد في خطر، لذا قرر أن يرفع إلى الحسن الثاني بشكل مباشر ذلك التقرير الذي كتبه عبر السيدة كانطيراك بالكتابة الخاصة للملك.

تقرير يكشف المستور

ما الذي كتبه بالضبط عبد الواحد لوديي في التقرير الذي سلمه إلى الكاتبة الخاصة للحسن الثاني السيدة كونطيراك؟
لقد كتب عبد الواحد في الواقع تفاصيل كثيرة عن ملاحظاته التي جمعها من خلال تجربته بمطار الرباط سلا، حيث يسرد تفاصيل ما خطته أنامل يده بالقول ” بعدما تلقينا حاوية قادمة من كندا أرسلها ربما شخص فرنسي أو كندي، شككت في أمرها، خصوصا وأنها لا تحتوي سوى على ثلاجة عادية تعج الأسواق الوطنية بمثيلاتها، الشيء الذي دفعني إلى إشعار مصالح المخابرات التي أوفدت عناصرها التي توصلت بالفعل إلى حقيقة صادمة، وهي أن الثلاجة المذكورة تحتوي على مسدس “.
وجود مسدس مخفي داخل ثلاجة قادمة من كندا بمطار يرتقب آنذاك أن يقلع منه الحسن الثاني بعيد أيام يطرح فعلا الكثير من علامات الاستفهام، خصوصا إذا ما استحضرنا السياق التاريخي لسنوات الثمانينات التي كان الحسن الثاني وطائراته الملكية هدفا يتصيده أعداؤه.
إذن حياة الملك في خطر، وهو ما سيتأكد لعبد الواحد لوديي حينما لاحظ وجود ثغرات أمنية فادحة بذات المطار، على اعتبار أن رجال الأمن المكلفين بحراسته يضيف عبد الواحد ” لا يبذلون أدنى جهد من أجل تفتيش ومراقبة من يأتون عادة كمرافقين للمسافرين عبر المطار، بل إنهم يتركونهم يلجون بكل حرية مقصف المطار دون تفتيش ” وهذا يعني بشكل بديهي أن أي مرافق لأي مسافر بوسعه أن يدخل السلاح إلى المطار بكل سهولة، مما يمكن ذلك السلاح من الوصول إلى قلب الطائرات التي ستقلع من المطار، والنتيجة أن جميع الطائرات الرابضة بمدرجاته هي في الأصل عرضة لإمكانية الاختطاف إذا ما تم التخطيط لذلك، والطائرة الملكية بدون شك واحدة من تلك الطائرات.
هذا هو فحوى التقرير الذي رفعه إذن موظف لارام إلى الملك، لكن السؤال المطروح بالتأكيد هو: لماذا تحول هذا التقرير إلى سبب محنة عبد الواحد؟

ضريبة تجاوز البصري

تلقى المديوري باعتباره المسؤول عن الأمن بالقصر الملكي أوامر صارمة بالتحقيق في مضمون تقرير الموظف بالخطوط الملكية المغربية، وهو ما تم بالفعل. حيث انتقلت عناصر استخباراتية تابعة للمديوري وتحت إمرة ضابط اسمه زكرياء للتحقيق داخل المطار، ليخلص تحقيقها إلى تقرير آخر ” يؤكد جملة وتفصيلا ما ورد في تقريري السابق ” يضيف لوديي.
إدريس البصري بوصفه وزيرا للداخلية ومسؤولا مباشرا عن المخابرات المدنية والأمن الوطني، لم يتقبل الأمر، حيث اعتبر التقرير الذي كتبه لوديي طعنة له مادام قد كشف عن تقصير رجاله في توفير الحماية الأمنية اللازمة لجلالة الملك.
يقول لوديي ” لقد غضب البصري، وقال لي مساعده أن الخطأ الذي ارتكبته هو أنني لم أرفع التقرير إلى البصري عوض أن أرفعه إلى الملك مباشرة، لذا من الطبيعي أن يغضب عليك لأنك تجاوزته”، وهنا ستبدأ فصول من المعاناة التي لا تريد أن تنتهي وتترك عبد الواحد يخلد يوما ما إلى النوم دون أن تنتابه الكوابيس.
غضبة البصري على لوديي كانت من المحتمل أن تنجم عنها تبعات أخطر مما حصل بعد ذلك، واحتمال تصفية رافع التقرير إلى الملك تظل واردة بقوة، وهو ما أكده عبد الواحد بالقول ” أقول مع نفسي أن عدم إقدامهم على قتلي يعود فيه الفضل إلى السيد بنحربي رئيس ديوان البصري، لأنه كان جارا لي بمدينة وجدة كما أن أبي كان صديقا لأبيه، لذا أعتقد أنه دافع عني وأقنعهم أنني لم أكن أقصد الإساءة إليهم”.
غير النجاة من موت أو بالأحرى من قتل كان محققا لا يعني البتة أن الأمور قد مرت بسلام، كما أن التدخل المفترض لرئيس ديوان البصري لا يعني أيضا أن الملف قد طوي إلى غير رجعة، إنما ستحمل التفاصيل المريرة التي سيعيشها لوديي في ما بعد الخبر اليقين بأن البصري ما كان ليبلع بسهولة الضربة الموجعة التي أسداها له التقرير المرفوع إلى الحسن الثاني.

ابراهيم فرج مرسولا من الملك

بعد أن غادر عبد الواحد لوديي وظيفته بالخطوط الملكية المغربية مستقيلا إثر شجار مع رئيس مصلحة المستخدمين بسبب التوقيع على راتبه الشهري، استقر به المقام بمدينة تمارة، وهي نفس المدينة التي لحق فيها به الحاجب الملكي ابراهيم فرج مبعوثا من الحسن الثاني، قصد التعبير له عن رضا جلالته بالخدمة التي قام بها لوديي من خلال رفعه لتقريره المشار إليه آنفا.
هنا تأكد لعبد الواحد بما لا يدع مجالا للشك أن الملك فعلا غاضب من البصري والمديوري بسبب تقاعس رجال الأمن التابعين لهما عن أداء واجبهم المهني بمطار سلا، ” وإلا كيف يمكن تفسير اختيار جلالة الملك لحاجبه الملكي الذي لا تربطه بالمجال الأمني أية علاقة للتواصل معي بشأن ملف أمني عوض تكليف المسؤولين المباشرين عن هذا الموضوع؟” يتساءل لوديي.
طلب الحاجب الملكي إذن من عبد الواحد أن يرافقه إلى مقر العمالة التي يتولى الدكتور الأسعد منصة تدبيرها، وبحضور هذا الأخير أكد إبراهيم فرج لعبد الواحد رضا الملك عن العمل الذي قام به، مشعرا إياه بأنه تلقى بهذا الشأن أوامر ملكية لتلبية طلباته جزاء له عما فعل، إلا أن لوديي لم يطلب إلا تمكينه من العودة إلى منصبه بالخطوط الملكية على أن يتم إلحاقه بالشركة السياحية التابعة لها سوطورام، ليبلغه الحاجب الملكي أن طلبه مستجاب.
لكن لسوء حظه أن العامل الاسعد يعتبر من الموالين الأوفياء للبصري، وبما أنه حضر مختلف أطوار الجلسة التي جمعت بين لوديي وفرج فإن تقريرا مفصلا عنها وجد طريقه بسرعة إلى مكتب البصري، ليدخل ملف عبد الواحد منعطفا آخر ما تزال تداعياته تتفاعل إلى اليوم.

مكالمة مكوار وبداية الانتقام

أياما معدودات بعد لقاء تمارة سيتلقى لوديي مكالمة هاتفية من مكوار المدير العام للخطوط الملكية المغربية، ليطلب منه الالتحاق بعمله الجديد داخل الشركة السياحية للخطوط الملكية كوظف بالشركة نفسها، وهو ما لم يتقبله لوديي على اعتبار أن الحسن الثاني أمر بإرجاعه إلى وظيفته الأصلية وليس تعيينه موظفا بسيطا بشركة سوطورام، لأن ذلك يعني حرمانه من الوضعية المادية المريحة التي كان سيعيشها بوظيفته الأصلية.
” مكوار كان رجلا طيبا ولبقا في الآن ذاته، حيث طلب مني أن لا أكبر الموضوع في الوقت الراهن لأن الأوامر التي تلقاها تنص على تعييني بسوطورام، لذا علي أن ألتحق بعملي الجديد وبعدها ستتم تسوية الوضع ” هكذا قال لوديي، وبعد تأكده أن البصري يقف وراء الستار، قبل أن يأخذ بنصيحة مكوار ويلتحق بالعمل موظفا بسوطورام بأكادير سنة 1989.
بداية انتقام البصري بدأت تلقي بثقلها على كاهل عبد الواحد، وأبرز ملامحها تتجلى في الراتب الهزيل الذي بدأ يتقاضاه والذي لا يتجاوز الألفين وأربعمائة درهم، الشيء الذي جعله يحس بالمهانة والإذلال، خصوصا وأن عودته المفترضة إلى وظيفته السابقة كانت منحة ملكية بل وأمرا ملكيا، فكانت تلك بداية فصل جديد في هذه القصة.

مكاتبة الملك وتجربة الاعتقال

لم يرض عبد الواحد لوديي بالواقع المرير الذي أجبره البصري على أن يتعايش معه، فقرر أن يراسل الحسن الثاني ليشكو له ما تعرض له من غبن وعصيان لأوامر جلالته.
غير أن مراسلته ستمر أولا عبر سكانير رجالات البصري، الذي أمر ” الكولونيل جميلة بالدرك الملكي لأكادير باعتقالي، وللتاريخ فقط فقد كان هذا الكولونيل الذي ينحدر من مدينة كلميم طيبا جدا معي، حيث أخبرني أنني لن أقدر على مبارزة أولئك المسؤولين، كما أخبرني بأنهم أبلغوه أن يبلغني بدوره بضرورة التوقف عن مكاتبة الملك، ومد إلي محضرا مكتوبا سلفا لأمضيه إلا أنني رفضت ” يقول لوديي، مضيفا أن مكوثه لأكثر من ثلاثة أيام رهن الاعتقال ” دون علم عائلتي بمكان اعتقالي دفع بإحدى قريباتي لفرض لقاء لها مع البصري الذي هددته بأنها ستتصل بعضو الأكاديمية الفرنسيةوصديق الملك موريس دريون ليتصل بالملك، ملوحة لهم برسالة كان موريس قد بعث بها سابقا إلى لوديي، وهو ما جعل البصري يستقبلها ويأمر درك أكادير بإطلاق سراحه.

اللقاء مع العنيكري واستمرار المعاناة

رغم كل شيء لم يستطع أحد أن يوقف تداعيات غضبة البصري، فقد بقي حال عبد الواحد كما هو إلى حدود وفاة الحسن الثاني وتولي محمد السادس عرش المملكة سنة 1999، وهي نفس السنة التي أحيل فيها لوديي على تقاعد بطعم الإهانة، 300 درهم هي راتب التقاعد !
استجمع مرة أخرى قواه وراسل هذه المرة والدة محمد السادس الأميرة للا لطيفة بتاريخ 03/08/2000 التي أحالت بدورها رسالته إلى ابنها جلالة الملك، الذي أعطى تعليماته للجنرال حميدو العنيكري المدير العام السابق لجهاز المخابرات مديرية مراقبة التراب الوطني الذي استقبل لوديي بفندق أطلانتيك بلاص أحد عشر يوما بعد ذلك وقال له بالحرف الواحد ” أن جلالة الملك أمر بأن يعطى لي حقي ” يؤكد عبد الواحد نقلا عن العنيكري، مشيرا في الآن ذاته إلى أن هذا الأخير أضاف قائلا ” حقوقك المغتصبة منذ سنة 1987 ستعود إليك “، لكن لاشيء من ذلك تحقق إلى اليوم أي لمدة ثلاثة عشرة سنة أخرى، رغم رسائل التذكير التي بعث بها إلى القصر الملكي، والتي يعتقد أن ” فلول البصري تقف لها بالمرصاد حيث ما تزال تعشش داخل القصر وتقف حاجزا أمام إنصافي” يضيف لوديي.
عبد الواحد اليوم يعيش وضعا اجتماعيا مقلقا وينفطر له القلب حقيقة، مصاريف الحياة أرغمته على بيع كل ما يملك من أجل سد الاحتياجات اليومية، الأولاد توقفوا عن استكمال دراستهم نظرا لقلة ذات اليد، بل اضطر بعضهم على الهجرة السرية نحو الخارج عله يتمكن من مساعدة عائلته، واليوم بل وكل يوم يمر عليه صاحب الشقة التي اكتراها منه ليطالب بأداء ما تراكم من مستحقات الكراء لشهور عديدة، لينطرح السؤال صارخا في وجوه بعض المسؤولين: أليس من العيب أن يعامل بمثل هذه المعاملة رجل سبق وأن قال عنه تقرير لجهاز المخابرات بتاريخ 20 يوليوز 1987 تحت رمز (DAG/CAB DST) ما يلي: ” عبد الواحد لوديي خديم وفي للعرش العلوي “؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى