المرأة

التحرش في الوسط السياسي…موجود لكن فقط “أون أوف”!

1382920966.jpg

التحرش الجنسي في العمل

“كاتعرفو علاش ما كاينش النساء فالأحزاب؟”، هكذا تساءل رئيس الحكومة وأمين عام حزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران، خلال لقاء حزبي انعقد قبل أيام قليل حول موضوع “المناصفة”. وفي الوقت الذي كان الجميع ينتظرون جرد ابن كيران للأسباب المعتادة والمعروفة لغياب النساء عن العمل السياسي، فاجأ الكل بخروجه المعتاد عن المألوف في التصريحات حين رد على تساؤله بالقول “ما كاينينش لأنه كاين التحرش. كاين بزاف ديال التحرش في الأحزاب”.
تصريح ابن كيران لم يكن مفاجئا للعديد من النساء في الوسط السياسي بقدر ما فاجأ غيرهن من النساء من خارج الوسط ممن كن يعتقدن بأن السياسية محصنة ضد التحرش.
قد يصعب التصديق بأن المرأة العاملة في المجال السياسي، والتي تعول عليها باقي النساء للدفاع عن حقوقهن، هي بدورها تعاني من الظاهرة التي تنتشر بشكل كبير في المجتمع المغربي والتي أصبحت أشبه بـ”الروتين اليومي” الذي تواجهه المرأة في مختلف الأماكن والمجالات، غير أن الواقع الذي تؤكده شهادات العديد من السياسيات يُظهر عكس ذلك الاعتقاد السائد.
عدد من البرلمانيات اللائي استقت “أخبار اليوم” رأيهن حول حقيقة انتشار ظاهرة التحرش في الوسط السياسي يؤكدن أن “عالم السياسة لا يمكن أن يكون استثناء” وأن الظواهر المجتمعية من الطبيعي أن تكون حاضرة فيه لأنه “امتداد للمجتمع”، وبالتالي فنساء السياسة وخلافا لما قد يعتقده البعض، هن الأخريات، قد يجدن أنفسهن ضحايا للتحرش حالهن حال باقي النساء، وإن كانت المرأة السياسية، وبشهادة عدد من البرلمانيات، أقل عرضة للظاهرة لعدة اعتبارات أهمها شخصيتها القوية التي تقف حاجزا أمام أية محاولة للتحرش قد تصدر عن أحد “الزملاء”.

اليقظة مع افتراض حسن النية
ترى النائبة البرلمانية عن حزب الاتحاد الدستوري، بشرى برجال، أن المجال السياسي “مرآة عاكسة للمجتمع” بمعنى أنه وسط غير معزول عن المجتمع بإيجابياته وسلبياته، مؤكدة أنه “وإن صح وصف رجال السياسة بالنخبة إلا أن النزعة الاجتماعية والثقافية تبقى حاضرة لديهم”.
وتضيف برجال أنه استنادا إلى ذلك “لا يمكن أن تسلم امرأة من التحرش في الأوساط الاجتماعية كلها بما فيها الوسط السياسي” مشددة على أن المجال السياسي لا يمكن أن يمثل استثناء “لأن مكونات المجتمع هي نفسها في جميع الأوساط” كما أن الوسط السياسي “ليس محروسا وبالتالي لا يمكن ضمان عدم تسرب بعض الأفكار والظواهر السائدة في المجتمع إليه”.
وترى برجال أن المرأة على العموم “تتوفر على حدس أنثى يمكنها من استشعار خطر التحرش قبل وقوعه” معتبرة أن أي امرأة يمكنها استشعار عزم الرجل أو رغبته في التحرش بها، مشيرة إلى أن المرأة يبقى عليها في تلك الحالة أن تواجه الوضع.
وعن الطريقة المثلى لمواجهة الأمر في حال وقوع السياسية ضحية للتحرش، تقول برجال إن سؤالا كهذا قد يُطرح إذا ما تعلق الأمر بمواطنة بسيطة لا تتمتع بنوع من السلطة والوعي اللذان يسمحان لها بمواجهة مشكل مماثل، أما بالنسبة للسياسية فترى برجال أن “لديها من الملكات والمقومات التي تجعلها تفرض سلوكها وأخلاقها”وأيضا ما يجعلها تواجه ذلك الوضع إذا ما وجدت نفسها فيه.
وبخصوص تجربتها تؤكد برجال أنها لم تلاق أبدا من زملائها السياسيين “إلا كل احترام وتشجيع”، مردفة أنها لم تستشعر أمرا مماثلا لأنها “يقظة”، على حد تعبيرها، معتبرة أنه على المرأة أن تكون يقظة لاستباق أي خطر مماثل، وهي اليقظة التي لا تتناقض، حسب المتحدثة نفسها، مع حسن النية التي تؤكد أنه يجب افتراضها على الدوام، حيث تقول “لا أعتقد أن أحدا قد يتطاول على المرأة إذا كانت تفرض سلوكا معينا وشخصية معينة إلى جانب افتراض حسن النية”، مضيفة أن الرجل من جانبه في أغلب الأحيان يعامل المرأة انطلاقا مما تتوسمه فيه “فالمرأة إذا ما كانت ترى في الرجل قدوة وتنتظر منه الخير لا أظن أنه سيعاملها بعكس ما تتوخى منه لأن الرجل أحيانا يعكس نظرة المرأة إليه وانتظاراتها منه”.

لا توجد استثناءات
النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، سعاد الشيخي، بدورها تشدد على فكرة أنه “لا يمكن فصل العمل السياسي عن المجتمع” مؤكدة أن “العمل السياسي يعكس المجتمع الذي نعيش فيه”، وإن كانت بدورها ترى أن الظاهرة أقل بكثير في الوسط السياسي، وذلك لعدة اعتبارات من بينها أن “المرأة التي تدخل المجال السياسي تتمتع بشخصية مستقلة وقوية” وهو الأمر الذي يمنع أي رجل من التجرؤ عليها والتحرش بها.
ومع ذلك تقول الشيخي إن هناك استثناءات وهو ما ترجعه إما لشخصية المرأة أو لشخصية بعض الرجال الذين قد يتحرشون بأية امرأة كيفما كان وضعها ومركزها.
وتعليقا على تصريح أمين عام “البيجيدي” الأخير عن هروب النساء من الأحزاب والسياسة بسبب التحرش، تقول الشيخي “صحيح، الظاهرة موجودة”، مضيفة بخصوص حزبها “الحمد لله في فريقنا لا توجد” قبل أن تستدرك “يبقى الجميع بشرا وبالتالي ربما قد تكون هناك استثناءات نادرة جدا ولكن ليست بالحدة التي قد تصل درجة التحرش”.
وعن باقي الأحزاب توضح الشيخي أن “مجموعة من البرلمانيات تعانين انتشار التحرش في أحزابهن وفرقهن” وهو ما تقول إن العديد من البرلمانيات والسياسياتأكدنه لها بشكل شخصي.

لا مفر من التحرش
المستشارة البرلمانية عن الفريق الاستقلالي، خديجة الزومي، تؤكد أن التحرش “موجود في كل مكان وفي جميع المجالات ولا مفر منه” حيث لا تستثني المجال السياسي من الظاهرة.
الزومي التي تؤكد بدورها أن أحدا لم يتحرش بها في الوسط طوال سنوات اشتغالها في الميدان، ترى أن الظاهرة على العموم تبقى أقل حدة في عالم السياسة، معتبرة أن التحرش الذي قد تعانيه السياسية “تحرش معنوي” وهو ما تفسره بالقول “السياسيين تيحكرو العيالات”.
وعن التحرش الجنسي تقول الزومي، إن المرأة عموما ملزمة بفرض وتدبير مسافة بينها وبين الآخرين “باش ما يضسر عليها حد” على حد تعبيرها.
وتؤكد الزومي أن “التحرش ظاهرة مرضية” وبالتالي “فطريقة لباسها وحديثها قد لا يكون لها تأثير كبير خصوصا بالنسبة لمن اعتاد التحرش على أية امرأة كيفما كانت” مضيفة ردا على من يقول بضرورة أن تتخلى السياسية عن شيء من أنوثتها، بالقول “ليس على المرأة أن تتخلى عن طبيعتها لمجرد أن ذلك قد يقيها من التحرش لأن المتحرش بطبعه سيتحرش بها في جميع الأحوال”.
ومع ذلك تحمل الزومي المرأة نسبة من المسؤولية على ما قد تتعرض له من تحرش، بتأكيدها على ضرورة أن تواجه النساء تلك الظاهرة وألا يسكتن عليها في حال تعرضهن لها، مشددة على أن السياسية مطالبة بدرجة اكبر بأن تتصدى للظاهرة وألا تلتزم الصمت في حال وقوعها ضحية لها “فالمفروض في السياسية أنها تدافع عن حقوق الناس فإذا كانت عاجزة عن الدفاع عن نفسها فهذه كارثة” على حد تعبير الزومي التي تؤكد أن “المرأة السياسية التي تتعرض للتحرش عليها أن تعلنها حربا وتفضح المتحرش بها لتقدم نموذجا” مضيفة ان باقي النساء يعولن على المناضلة السياسية لتدافع عن حقوقهن وتفضح الظواهر المجتمعية بما فيها التحرش “فإذا كانت ستقع ضحية للتحرش ولا تتعامل مع الأمر كما يجب بإعلان الأمر ومواجهته فلنقرأ السلام على السياسة والسياسية”.

الشابات أكثر عرضة للتحرش
ولا تذهب النائبة البرلمانية عن حزب التقدم والاشتراكية، والوزيرة السابقة للأسرة والمرأة والتضامن والتنمية الاجتماعية، نزهة الصقلي بعيدا عما صرحت به باقي البرلمانيات، حيث ترى أن مجال السياسة “امتداد للمجتمع المغربي وظاهرة التحرش الجنسي موجودة في جميع الأماكن والفضاءات” مستبعدة أن يكون فضاء ما بما فيه الفضاء السياسي محصنا ضد الظاهرة.
وترى الصقلي أن الشابات اللائي يلتحقن حديثا بالأحزاب السياسية قد يكن أكثر عرضة للظاهرة التي تؤكد أنها “مسكوت عنها في جميع الفضاءات ولاسيما الفضاء الحزبي”. وخلافا لما جاء على لسان رئيس الحكومة من اعتبار التحرش عاملا وحيدالغياب النساء عن الأحزاب والعمل السياسي عموما، قالت الصقلي إن الأمر يرجع إلى أسباب أخرى لا تقتصر فقط على التحرش، ومن بينها ظروف العمل السياسي الذي يفرض البقاء خارج البيت حتى أوقات متأخرة لعدم ارتباطه بجدول ساعات عمل معين، بالإضافة إلى “تجاهل الخطاب السياسي للقضية النسائية”.
وعن القول بأن السياسية أقل عرضة للتحرش، ترى الصقلي أن ذلك صحيح إلى حد ما وذلك لتمتع السياسية بشخصية قوية و”لرغبتها في أن تكون قائدة وليس ضحية” على حد تعبير الصقلي، إلا أنها وفي الوقت نفسه، ترى بأن هذا الوصف يمثل استثناء لنساء “ناجحات” في المجال السياسي، معتبرة أن من أبرز العوائق التي تحول دون استقطاب بعض الأحزاب للشابات هي ظاهرة التحرش، مؤكدة أن “المتحرش في هذا المجال لن يتجرأ على امرأة تتمتع بقوة وموقع داخل الحزب ورصيد نضالي ولكنه سيتجرأ على تلك الشابة التي لا تزال تبحث عن مكانها داخل الفضاء السياسي”.
ورفضت الصقلي استثناء حزب ما كيفما كان من الظاهرة، مضيفة ردا على ما جاء على لسان رئيس الحكومة حين قال عن حزبه “في هذا الحزب، الحمد لله، لم نسمع بهذا أو تقريبا، وهذا نموذج إيجابي”، بالتأكيد على أن ابن كيران لا يمكن أن يصله كل ما يقع داخل حزبه بهذا الخصوص “خصوصا وأن هذا الموضوع لا يزال يدخل في خانة الطابوهات والخوف من الفضيحة”.

مجرد إعجاب !
خلافا لكل الآراء السابقة التي تؤكد انتشار التحرش الجنسي في الفضاء السياسيباعتباره جزء لا يتجزأ من المجتمع الذي يعاني من تلك الظاهرة، تؤكد النائبة البرلمانية عن حزب الاستقلال، نعيمة رباع غياب تلك الظاهرة عن عالم السياسة، وتنطلق في هذا التأكيد من تجربتها الشخصية، حيث تقول بأنها طوال مسارها السياسيوالنقابي لم تعان من مشكل مماثل.
وتقول رباع إن كل ما في الأمر أنه في بعض الأحيان قد يكون هناك نوع من الإعجاب الذي قد يؤدي بالشخص إلى رفع التحفظ، مردفة أن “التحرش بمعنى التحرش غير موجود في الميدان السياسي” وهو ما ترجعه إلى كون الرجال في المجال السياسي ينظرون إلى المرأة التي تشاركهم نفس الميدان كـ”شخصية قوية”، إلى جانب أنهم “قد يخشون من ردة فعلها، فنحن ندافع عن حقوق الآخرين وبالتالي لا يمكن أن نسمح بأن تهضم حقوقنا” تقول البرلمانية الاستقلالية.
وعن القول بأن المرأة يجب أن تلتزم بلباس معين حتى لا يتم التحرش بها تقول رباع “هذه هي قمة التحرش لأننا نعطي بذلك للرجل الحق في التحرش بالمرأة” مؤكدة أن الرجل الذي يتبنى ذلك السلوك لا يمكن أن يردعه زي المرأة مهما كان متحفظا.
وتتابع رباع بالتعبير عن رفضها لـ”تشييء” المرأة وذلك بفرض شكل معين عليها حتى لا يخطئ الرجل في حقها، مؤكدة أن “الرجل ملزم باحترام المرأة في جميع الحالات” رافضة اعتبار طريقة لباس المرأة مسوغا لتحرش الرجل بها.
رباع رفضت أيضا ما جاء على لسان ابن كيران معتبرة أنه بتبريره غياب المرأة عن السياسة بتعرضها للتحرش “يحاول أن يغطي على فشل الأحزاب في بذل مجهود لاستقطاب النساء إلى العمل السياسي” مردفة أنه “إذا كانت هناك ديمقراطية داخلية في الأحزاب على أساس أن تتبوأ المرأة مكانة تليق بها ولو أن الأحزاب بذلت مجهودابهدف تشجيع النساء على العمل السياسي لانخرطت جميع النساء فيها”.
وتختم رباع بالتأكيد على أن الأحزاب المفروض أن تدافع على حقوق المواطنين نساء ورجالا، وتناهض مختلف الظواهر المسيئة للمجتمع بما فيها التحرش، وبالتالي، تضيف رباع، “لا يمكن لأحزاب تضم رجالا متحرشين أن تناهض التحرش وإذا وُجد هكذا رجال في الأحزاب فهذه مشكلة لأن الأصل في العمل السياسي هو الأخلاق”.

“أون أوف”: هناك تحرش وهناك ابتزاز وأيضا إغواء
مجموعة من السياسيات رفضن الحديث عن ظاهرة التحرش في الوسط السياسي، حيث اعتبرن أن مجرد التطرق للظاهرة –وإن وُجدت- “فيه إساءة للسياسة ولرجالها ونسائها”.
من جانبها، أكدت سياسية (رفضت الكشف عن اسمها)، أن ظاهرة التحرش منتشرة بشكل كبير في المجال السياسي بل إنها ذهبت حد وصف ما تتعرض له بعض النساء في المجال بـ”الابتزاز”.
في المقابل تشير المتحدثة نفسها إلى أن المسؤولية “لا تقع دائما على عاتق الرجل” حيث تؤكد أن ما يقع في بعض الحالات “يمكن وصفه بالإغواء وليس بالتحرش”، ذلك أن هناك حالات تكون فيها المرأة “هي من تتحرش بالرجل عن طريق إغوائه” مضيفة في السياق نفسه “كثيرا ما نسمع عن حصول فلانة على التزكية في الانتخابات ولا نعرف كيف لنعلم لاحقا بأنها ترافق مسؤولا بارزا في الحزب”.
السياسية المنتمية إلى إحدى أحزاب المعارضة، حملت النساء مسؤولية ما قد تتعرضن له، حيث أكدت أن المرأة في المجال السياسي ملزمة بـ”الحفاظ على شكل معين في اللباس وطريقة الكلام” معتبرة أن اهتمامها “المفرط” بشكلها قد يفسر على نحو خاطئ ويكون سببا في تقرب الرجال منها وإبداء الإعجاب الذي قد يتطور إلى تحرش !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى