الرأي

طموح مغرب شاب .. شيوخ السياسة

د. كمال اسبري

الجميع ينادي بجعل الشباب في قلب الحياة السياسية. لكن ما نلاحظه هو كون الشيوخ يمارسون تضليلا سياسيا ممنهجا، وعن طريق شعارات حماسية. إن ما يتضح للعيان هو أن فرص الشباب منعدمة ضمن المجال السياسي. هناك فقط إعادة انتاج نخب سياسية، على تعبير بورديو، قد تجاوزها قطار الإبداع. فهل شباب المغرب مقبل على مرحلة التيه مرة أخرى؟

لقد أثبتت الجائحة أن المغرب في حاجة للمصالحة مع الشباب، واستثمار مهارات الجيل الجديد للوصول لاكتفاء ذاتي وطني. آن الأوان لتغيير الأوجه والسياسة القائمة على النفوذ. في مقابل هذا يكون مبدأ تأطير الشاب(ة) لتشييد مغرب جديد يحتوي الجميع بدون امتيازات أو تمييز، مسؤولية الأطر المرجعية. فلن يكون هناك تطور فقط بالتخلي عن مخلفات الماضي، لأن التاريخ أيضا يحدد اتجاهات المستقبل، ومستقبل مغربنا في شبابه، وبقيادة ملكه، وتحت شعاره الخالد.

إن أي تغيير منشود وبأهداف نبيلة لا يستقم فقط بنبذ كل ماله ارتباط بعناصر سابقة مكونة لنظام معين. أهم مبادئ الاستمرارية هي تقييم ما هو قائم، وحصر إيجابيات وفرز سلبياته، ثم اللجوء إلى وضعية التغيير النبيل، والتي تتكون من المحافظة والابداع. فداخل كل مجتمع تتواجد جماعات هدفها طمس معالم كل تغيير ونبذ كل فكرة هدفها إبراز تغيرات هوياتية من دون المساس بانتماءات الآخر. فيما مضى، كانت المجتمعات تظهر للعيان على أساس عرقي أو ديني، مكونة بذلك نوعا من التجانس المبنى على السلطة. وعلى اعتبار أن التغيير هو حتمية كونية، فماهو كائن لا يمكن أن يعبر الازمة ليفرض على أجيال أخرى.

إن مبدأ الاعتراض على تواجد أفراد تنتمي للمجتمع الواحد وتختلف عنه في نفس الوقت، يسهم في إذكاء الانقسام والوحدة التي تسم المجتمعات الديمقراطية. إن فكرة العبور الثقافي التي قدمها الأنثروبولوجي الكوبي فرناندو اورتيز ترتكز على مبدأ أساس يكمن في استعارة مقومات ثقافة الأغلبية من أجل ملاءمتها وإعادة تشكيلها للاستخدام الخاص. وهذه العملية هدفها هو إعادة التركيز على ما يجمع أفراد المجتمع لا ما يفرقهم، لأن العبرة تكمن في اعتبار الاختلاف مبدأ من مبادئ الحياة، ولاتعارضها.

أعتبر هذا البناء النظري هو مكون أساسي في فهم النمط الجديد الذي يجب على المغرب اتخاذه من أجل ادماج كل أفراد المجتمع في الحياة السياسية والاجتماعية. فمن جهة، التغيير المنشود يبدأ أولا في استعارة بعضا من سلطات الأغلبية المهيمنة على الساحة السياسية. وعندما أذكر الأغلبية، فهنا لا أعني حزبا بعينه، وإنما تلك الأوجه التي طبعت الساحة السياسية منذ عقود وهي لاتزال تورث السلط من دون التنازل قيد أنملة عن بعض منها لباقي المجموعات التي بدأت تؤرق كاهلها هنا وهناك.

لقد أثبتت الانتخابات الأخيرة أن الحزب لا يعدو أن يكون نموذجا لتوجهات أعضائه. وعلى اعتبار أن النموذج المغربي يزخر بتعداد ساكنه واتساع رقعة شبابه وزخرفة ثقافته، فلابد من توجه صريح يضع الشباب في مكانه الصحيح، حيث يمكن الاستفادة من طاقته وحيوية وابداعاته وتعدد زاوية رؤيته، والتي لم تعد تنحصر في العائلة، بل تجاوزتها لترتكز على إظهار المغرب والمغاربة قاطبة كمجتمع نموذجي يحب أن يتمتع بما يزخر به ويشارك باقي أفراد المجتمع. فالسابقون كانوا يحرقون الغابة من أجل تدفئة دولتهم. شباب اليوم لا يحب تضييع بارودة لاصطياد البوم. يريد للجميع أن يعم بالدفء ومن دون خسائر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى